لهذا النهج صلة بالخبر المتعلق بعزم الناصر على اعتزال الخلافة والانقطاع للعبادة في رباط المرزبانية الذي بناه أصلًا لنفسه، وهو خبر يستنتج منه أيضًا سعة انتشار التصوف آنذاك وعمق تأثيره في المجتمع الأمر الذي حدى بالناصر إلى ان يكون له باع فيه.
كان شيوخ تلك الربط يُرتبون فيها ويُعزلون عنها من قبل الخليفة، وقد يكون في ذلك دلالة على شروط الواقف، ولكن الدلالة الأهم تكمن في مسعى الخلافة للسيطرة على حركة شعبية كالتصوف عبر احتوائها في ربط لها فيها الكلمة الأولى.
لكن يخشى من تجاوز الدقة إذا افترض أن تلك الربط كانت تبنى من أموال الخزينة العامة، إذ الظاهر ان وقوفها كانت اصلًا أملاكًا شخصية.
وقد اختصت بعض العائلات ببناء اكثر من رباط كأبناء رئيس الرؤساء الذين كان لهم صلات واضحة بالتصوف.
كما يلاحظ أحيانًا تعاقب أبناء عائلة واحدة وأقربائهم على مشيخة رباط بعينه كابي سعد شيخ الشيوخ الذي سيأتي ذكره لاحقًا، وكالشيخ الشهاب السهروردي وأبنائه، وأبناء ابن سكينة.
وكان الخليفة يولي بعض الشيوخ أكثر من رباط في نفس الوقت. وكان الخلفاء، وخاصة الناصر، يقيمون احتفالًا كبيرًا عند افتتاح بعض الربط إشهارًا للرباط المخصوص وإعلامًا للناس بالدور الاجتماعي الذي يقوم به الخليفة. وقد استمر نشاط بناء الربط الصوفية بمبادرة من الخليفة حتى نهاية الدولة العباسية سنة 656هـ.
وفي ظل النشاط الكبير في بناء الربط كتب الشيخ شهاب الدين السهروردي (ت632هـ) مؤلفه الموسوم بـ"عوارف المعارف"، وهو أول كتاب وصل إلينا من كتب الصوفية التي عالجت موضوع الرباط الصوفي وضوابط العيش فيه مع جماعة ساكنيه.
وبعد، فإن الربط والزوايا الصوفية لم تكن مقصورة على بغداد ولا على الفترة محل البحث. وقد بلغ انتشار الربط والزوايا في كافة بلاد الاسلام. حدًا أغرى الباحث بالاستنتاج بأن الربط والزوايا قد أصبحت في تلك الفترة تمثل نظامًا متكاملًا ومتعارفًا عليه بين أبناء الأمة الواحدة في مختلف بقاعها