الصفحة 229 من 287

صحب ابا سعيد بن ابي الخير [1] مدة، وكان يجمع جماعة من الفقراء ويخرج معهم ويدور في قبائل العرب فينتقل من حلة إلى حلة، وقد باع أبو سعد جميع أملاكه التي في نيسابور وجاء إلى بغداد والتمس من الخليفة القائم بأمر الله خربة يبني فيها رباطًا،"وكانت له خدمة في زمن البساسيري"، فأذن له، وتخيّر موضعًا، فبنى الرباط وجمع الأصحاب، ثم هدم الرباط في الغرق سنة 466 هـ فأعاده أجود مما كان [2] .

وقال ابن الأثير عن ابي سعد"وهو الذي تولى بناء الرباط بنهر المعلى، وبنى وقوفه، وهو رباط شيخ الشيوخ الآن"، وقال:"وبنى وقوف المدرسة النظامية،"

وكان عالي الهمة كثير التعصب لمن يلتجئ إليه ... وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان" [3] ."

يبدو مما تقدم ان أبا سعد ورباطه كانا مسنودين من قبل الخليفة والسلطان، ويؤكد ذلك قيام البساسيري بإحراق الرباط على أيدي العيارين خلال قيامهم بنهب دار الخلافة لاعتبار الرباط متصلًا بالخليفة، أو بالسلطان، أو كليهما. لقد كانت الفترة التي بني فيها رباط شيخ الشيوخ فترة انتقالية في تاريخ بغداد وهي فترة نهاية البويهيين ودخول السلاجقة إليها، وقد كان لأبي سعد في تلك الفترة خدمة شكرها له الخليفة عندما خصص له قطعة أرض يبنى بها الرباط، وعلى ذلك، يرجح أن يكون الرباط الذي بناه أبو سعد غير الرباط الذي بناه عميد العراق وأحرق خلال فتنة البساسيري.

كما يبدو أنه كان للرباط منذ انشائه على يد ابي سعد وقوف موقوفة، الأمر الذي قد يشير إلى قدر من السمة الرسمية كان يتمتع بها الرباط وشيخه. إن زوال الحكم البويهي من بغداد وانفلات الأمور في فتنة البساسيري ربما كانا دافعين للخليفة كي يستند إلى مؤسسات اجتماعية اكثر عمقًا واستمرارًا من مؤسسات الدولة التي زالت، لتعينه على الامساك بزمام الأمور من جديد في

(1) هو أبو سعيد بن أبي الخير الميهني (ت 440 هـ) ، وهو الذي وضع طريقة التصوف، وبنى الخانقاه، ورتب السفرة في اليوم مرتين، قال القزويني:"و آداب الصوفية كلها منسوبة إليه ... ومشايخ الصوفية كلهم تلامذة ابي سعيد"، القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ص 360 - 361.

(2) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 11.

(3) ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت