ظل أوضاع تسودها الفوضى. وربما نشأت من هنا علاقة الخلافة بشيخ الشيوخ، فالمنصب - إن جاز التعبير - مستحدث في تاريخ الاسلام في تلك الفترة التاريخية.
إن صلة السلطنة السلجوقية بشيخ الشيوخ جاءت لاحقة لصلته بالخليفة العباسي. وربما كان مقصد أبي سعد من بناء الرباط أصلًا ان يكون مدخلًا لاتصال السلاجقة به، فقد قصد أبو سعد من بناء الرباط ان يكون"موضع نزول الغرباء من الخراسانيين" [1] .
ويبدو أن عمل رباط ابي سعد كان مكملًا لعمل المدرسة النظامية [2] ، فالوزير نظام الملك السلجوقي كان مهتمًا ببناء الربط والمدارس بوصفه نهجًا سياسيًا سار عليه السلاجقة بوضوح خلال فترة وزارة نظام الملك، وكان رباط ابي سعد معقلًا من معاقل الأشاعرة الذين ناصرهم في الفتنة التي وقعت بينهم وبين الحنابلة سنة 469هـ، ووقف معهم أستاذ النظامية آنذاك أبو اسحاق الشيرازي أول مدرسي النظامية ببغداد [3] ، وكان أكثر العلماء الذين أرسلهم نظام الملك إلى نظامية بغداد من أصول خراسانية عامة ونيسابورية خاصة، فكان لكثير منهم اتصال برباط النيسابوري ابي سعد شيخ الشيوخ كابي نصر القشيري وابي اسحاق الشيرازي، واحمد الغزالي أخو حجة الاسلام الذي نزل برباط شيخ الشيوخ عند قدومه إلى بغداد [4] . وقد كان بين ابي سعد وبين نظام الملك مودة أكيدة، وكان يزور نظام الملك في مركزه [5] .
ومما يشير إلى الصفة الرسمية لشيخ الشيوخ أنه لما احترقت تربة معروف الكرخي"أمر الخليفة ابا سعد الصوفي، شيخ الشيوخ، بعمارتها" [6] . ويقع رباط شيخ الشيوخ في محلة سوق الثلاثاء، مقابل المدرسة النظامية [7] . وربما كان موقعه هذا دليلًا على مكانته في زمن نظام الملك.
ويلاحظ أنه لما توفي ابو سعد لم يدفن في رباطه على غير ما جرت عليه العادة لدى شيوخ الربط التي انشئت بمبادرات فردية، و إنما دفن في مكان
(1) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 32، ص 259.
(2) الطرطوشي، سراج الملوك، ص 129 - 130.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 8، ص 413.
(4) ابن الدمياطي، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، ص 57.
(5) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 32، ص 259.
(6) ابن الاثير، الكامل، ج 8، ص 380.
(7) مصطفى جواد، دليل خارطة بغداد، ص 174، 182.