الصفحة 243 من 287

فالتصوف اذن مذهب واحد فيه طرق مخصوصة، كل واحد منها يوصل إلى المقصود بالمعنى الذي اورده السلمي آنفًا.

وهذا ماذهب إليه أيضًا الدكتور عبد الحليم محمود ورفيقه حينما قالا عن تسمية الكلاباذي كتابه باسم"التعرف لمذهب أهل التصوف"، ان التصوف، وهو تجربة روحية وليس نظرًا عقليًا، مذهب واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف، وأنه"لا يُستساغ الخلط بين"طرق"التصوف وهي وسائل، وبين الغاية وهي: التصوف نفسه" [1] .

وعلى ذلك يغدو التطرق إلى الفرق بين هذا المعنى القديم للفظة طريقة و طرق، وبين الطرق الصوفية بمعناها الحادث في القرن السابع الهجري ومابعده ضروريًا.

في القرن السادس الهجري كان في بغداد وما حولها لكل شيخ من شيوخ التصوف المشهورين طريقة اختص بها في التصوف بالمعنى الوارد عند السلمي آنفًا، وقد استقر هؤلاء الشيوخ في ربط صوفية هي مؤسسات حادثة في تاريخ التصوف من حيث الوقوف التي وقفت عليها كما مر سابقًا، وكان من مشاهير أولئك الشيوخ: الجيلي و النجيب السهروردي وابن اخيه الشهاب، والرفاعي في البطائح، وعدي بن مسافر في شمال العراق وغيرهم. وكان لكل منهم أتباع ومريدون كثر ينتمون إليه إلى حد فاق أعداد اتباع الشيوخ القدماء. ولما توفي هؤلاء الشيوخ دفنوا في ربطهم، وتوارث مشيخة الرباط أبناؤهم واقرباؤهم، وكان هذا التوارث أمرًا جديدًا أيضًا، وربما كان سببه عنصر الديمومة الذي أحدثته الوقوف الموقوفة على الربط بحيث تؤول ولاية و إدارة الوقف لورثة الشيخ. بعد وفاة الشيوخ الكبار استمرت قبورهم وربطهم حتى أصبحت مزارات لأتباعهم ومن تلاهم. ولما لم يأت بعدهم من الورثة من تجاوزهم بطريقة يختص بها في التصوف بقي الرباط وقبر الشيخ والورثة والاتباع على طريقة الشيخ المتوفى، فشكلوا جماعة لها استمرارية ومواسم، وصار ورثة الشيخ وكبار مريديه يُلبسون الخرقة الصوفية للمنتمين الجدد. ومع مرور الوقت نضج الأمر إلى ان صار يطلق عليهم اسم"الطائفة".

وقد وجدت لفظة"طائفة"بما هي وصف لجماعة صوفية في المصادر التاريخية المصنفة في القرن السابع الهجري فما بعده، وارتبطت اللفظة بأسماء شيوخ تصوف اشتهروا في القرن السادس الهجري، وفي ذلك دلالة على أن"الطائفة"حدثت بعد فترة من وفاة الشيخ المنسوبة إليه. ومن هذه الطوائف المذكورة: الطائفة البيانيّة بدمشق [2] نسبة إلى شيخها أبي البيان نبأ بن محمد (ت 551 هـ) ، والطائفة العدوية [3] المنسوبة إلى عدي بن مسافر الهكاري (ت 555 أو 557 هـ) ، والطائفة الرفاعية أو البطائحية [4] وهي منسوبة إلى احمد الرفاعي (ت 578 هـ) ، والطائفة اليونسية [5] نسبة إلى شيخها يونس بن يوسف الشيباني (ت 619 هـ) ، والطائفة الحريرية [6] اتباع الشيخ علي بن ابي الحسن الحوراني (ت 645 هـ) بدمشق، وقد ذكر ابن بطوطة ان"كل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء واكثرهم الأعاجم" [7] .

ومما يشير إلى تبادل لفظة"طائفة"مع لفظة"طريق"ما ذكره ياقوت الحموي

(ت 626 هـ) عن الشيخ أبي البيان فقال:"شيخ الطريق البيانية بدمشق" [8] ، كما ذكر الذهبي (ت 748 هـ) لفظة طرق فقال في ترجمة غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر (ت 632 هـ) :"الشيخ القدوة الزاهد .... أحد مشايخ الطرق" [9] .

وهنا يجدر التنبيه إلى ان لفظة الطائفة قبل إطلاقها على الطرق الصوفية في القرن السابع الهجري، كانت تطلق على الاصناف والحرف، ثم لوحظ ان لكليهما اشكالًا تنظيمية متشابهة وملامح دينية، إلا أن الفارق بينهما يتصل بالغاية والمقصد اكثر من اتصاله بأنماط التنظيم. وان كان تنظيم الطرق الصوفية يدين بالكثير لتنظيم الاصناف، فإن بعض الاصناف واعضائها كانوا يميلون للارتباط بطريقة صوفية ما وبولي من الأولياء [10] . فقد استلهم تنظيم الخانقاوات في مصر مثلًا الترتيب الهرمي للرتب في الصنف، حيث كان هناك شيخ الحرفة ثم المعلم ثم الصانع ثم المبتدئ [11] .

(1) الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 11.

(2) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 38، ص 67 - 68.

(3) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 254.

(4) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1، ص 171 - 172.

(5) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 44، ص 471.

(6) مجهول، الحوادث، ص 279 وهامشها.

(7) ابن بطوطه، تحفة النظار، ج 1، ص 54.

(8) الحموي، معجم الأدباء، ج 6، ص 2742.

(9) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 46، ص 118.

(10) سوف يتوسع الباحث في هذا الموضوع في الفصل الرابع ضمن علاقة الصوفية بفئة العامة.

(11) للتوسع انظر: الدوري، الدكتور عبد العزيز، (1959) . نشوء الاصناف والحرف في الاسلام. مجلة كلية الآداب، بغداد، 1 (1) ، 1 - 37. Trimingham, The Sufi Orders in Islam, pp. 24 - 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت