الصفحة 244 من 287

بمرور الوقت اخذ مفهوم الطريقة القديم بعدًا مؤسسيًا وتنظيميًا وشعبيًا واسعًا غير مسبوق، وهذا ما لم يعرفه قدماء الصوفية، وقد ادى ذلك إلى ترسيخ وانتشار تلك الطرق حتى اخذت دلالتها المتعارف عليها في القرن السابع الهجري ومابعده، فصارت تسمى بالطريقة القادرية والطريقة الرفاعية وهكذا.

ومن مظاهر التغير في حركة التصوف أن قدماء الصوفية لم يعرف عنهم أنهم سعوا إلى نشر"طرقهم المخصوصة"أو الدعوة إليها على نحو ما وجد في القرن السادس الهجري وما بعده فقد كانوا في حالة عزلة اجتماعية لم يخرجوا منها إلا في القرن السادس. فقد قام مثلًا الشيخ خلف بن عياش الشارعي بإلباس أعيان اهل مصر الخرقة القادرية بعد أن لبسها هو من الشيخ عبد القادر [1] . وكان الشهاب السهروردي يرسل بعض مريديه مع إجازة منه كي يُلبسوا خرقته لأهل بلادهم عندما يرجعون إليها [2] ، وأشار الرفاعي إلى تلميذه ابي الفتح الواسطي (ت580هـ) بالسفر إلى الاسكندرية فسافر،"وأخذ عنه خلائق لا يحصون" [3] .

وقد ميز ماسينيون بين الطريقة بمدلولها القديم والطريقة بمدلولها الحادث، فجعلها في القرنين الثالث والرابع الهجريين"عبارة عن جملة مراسم التدبير الروحي المعمول به من أجل المعاشرة في الجماعات الاخوانية الاسلامية المختلفة التي بدأت تنشأ منذ ذلك الحين" [4] .

وقد عرّف مكدونالد الطرق الصوفية بأنها"التعبير المنظم عن الصوفية في الاسلام"، وذلك لأن الصوفية ظلت قرونًا تقوم على الاشخاص،"لم يكن ثمة هيئة لها طبيعة الهيئات الدائمة تحتفظ بنظام خاص وعبادات خاصة يجمعها إسم معروف معلوم" [5] .

ولا يُستبعد ان تكون الطرق الصوفية قد جاءت لمقاومة التأثيرات الإسماعلية المناوئة، فقد عملت الطرق على ملء الفراغ الذي خلفه تراجع الحركات الاجتماعية الشيعية إثر زوال الدولتين البويهية و الفاطمية الشيعيتين [6] ، كما مهد لنشوء الطرق لجوء الخلافة إلى الحركات الشعبية لتعزيز وضعها في مواجهة قوى الهيمنة سواء كانت بويهية أو سلجوقية.

إن الروابط الاجتماعية العميقة التي تحافظ على تماسك المجتمع عادة مايظهر مفعولها بوضوح في فترات الاضطراب، وقد نشط التصوف - بما هو رابطة اجتماعية عميقة - في الفترة الانتقالية التي شهدتها بغداد وغيرها من الهيمنة البويهية إلى السلجوقية، كما نشط ايضًا في الفترة التي بدأ فيها اضمحلال السلطة السلجوقية في بغداد.

و على إثر الغزو المغولي لبغداد أصبحت مصر هي المركز الجديد للطرق الصوفية، حيث أسس الشيخ احمد البدوي طريقته الصوفية في مدينة طنطا، كما أسس أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ) طريقته في الاسكندرية والتي سرعان ما انتشرت في شمال افريقيا [7] .

ويذكر ترمنجهام عشر طرق يعتبرها اهم الطرق الصوفية التي عملت على تطور التصوف المؤسسي، منها ثلاث طرق عراقية هي: السهروردية، والقادرية، الرفاعية، وبواسطة هذه الطرق العشر تم نشر الرسالة الصوفية إلى العالم الاسلامي، وكل الطرق اللاحقة تزعم انها امتدادات لواحدة أو اكثر من هذه الطرق العشر [8] .

وتكاد رحلة ابن بطوطة (ت779هـ) في الربع الأول من القرن الثامن الهجري أن تكون كشفًا مفصلًا حول مدى انتشار التصوف و الزوايا و الطرق الصوفية في البلاد الكثيرة التي زارها، فهو طوال رحلته كان ينزل في الزوايا المقامة على طول الطريق وفي المدن والقرى و الجبال والموانئ البحرية، ويلتقي بشيوخ تلك الزوايا ويصف احوالهم وأتباعهم وحرمتهم لدى الناس والأمراء، حتى انه وصف زاوية للصوفية في عاصمة الصين [9] ، وذكر رجالات التصوف وأولياءه في دهلي (دلهي) في الهند [10] ، وفي جبال

(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 147 - 148.

(2) الجامي، نفحات الانس، ج 2، ص 648، 641 - 642.

(3) الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 280.

(4) دائرة المعارف الاسلامية، ج 21، ص 6360 (طريقة) .

(5) دائرة المعارف الإسلامية، ج 15، ص 4422 - 4423 (درويش) .

(6) شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام، ص 263. Trimingham, The Sufi Orders in Islam, pp.11

(7) شيمل، الابعاد الصوفية، ص 282 - 284.

(9) ابن بطوطة، تحفة النظار، ج 2، ص 729.

(10) المصدر نفسه، ج 2، ص 483 - 484.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت