ضد الاستعمار من تلك الطرق الصوفية" [1] ، وقد بقي اندماج التصوف في العلوم الشرعية الاسلامية نمطًا للمجتمعات الاسلامية حتى عصر الاستعمار الاوروبي، ويقدر أن ذلك كان بتأثير تدريس كتاب الغزالي"الاحياء"لطلبة العلوم الشرعية في المدارس [2] . ولكن يجب أن لا ينسى أثر ظاهرة تصوف الفقهاء في القرن السادس الهجري ومظهرها المؤسسي المتمثل في بناء الربط إلى جانب المدارس واسهام شيوخ كالجيلي والسهروردي وغيرهما في ذلك الاستمرار والانتشار."
لا ينحصر التصوف بالطرق الصوفية، ولم تكن الطرق إلا التعبير المنظم عن التصوف. وقد تمثل الأثر الاجتماعي الرئيسي للطرق، من حيث الدين، في تبسيط الممارسات الروحية الصوفية وجعلها في متناول مدارك عامة الناس على مستوى جماهيري واسع جدًا [3] . ويرى بروكلمان أن الطرق الصوفية كان لها أثر واضح في تهذيب العامة، حيث خضعت حياتهم الدينية لتأثير مشايخ الطرق اكثر من خضوعها لتأثير الفقهاء الرسميين، كما رأى بروكلمان أن"الوجد"الصوفي كان له اثر في تنمية العاطفة الدينية [4] .
وقد ترك التصوف والطرق الصوفية أثرهما في الذاكرة الشعبية، فهذه أسماء المواضع في بغداد قد تغيرت منذ عصور طويلة حتى آل أمرها إلى النسيان، ولكن الدكتور مصطفى جواد يقول:"ومن غريب الظواهر أن أسماء المحلات الاخيرة أخذت من أسماء الاولياء بالإضافة، فمحلة باب الحلبة صارت"باب الشيخ عبد القادر"ثم"باب الشيخ"، ومقابر قريش ... صارت ... الكاظمية، ومقابر الخيزران صارت"محلة ابي حنيفة"ثم"المعظم"ثم"الاعظمية"...." [5] ، ويذكر انه لايوجد اليوم من الاسماء القديمة شيء سوى ماندر من اسماء المحلات وقسم من اسماء المشاهد والقبور التي حفظتها الأمة وحافظت على مواضعها مثل: تربة الجنيد، وتربة داود الطائي، وتربة الشيخ معروف الكرخي، وتربة الشيخ عمر السهروردي، وتربة الشيخ عبد القادر الجيلي [6] ، وهذه كلها اسماء شيوخ تصوف بغداديين، وفي هذا دلالة على أثر
(2) المرجع نفسه، ج 2، ص 686 ( Tasawwuf) .
(3) المرجع نفسه، ج 2، ص 681 ( Tariqa) .
(4) بروكلمان، كارل، (1968) . تاريخ الشعوب الاسلامية. (ط 5) ، (نقله إلى العربية نبيه امين فارس ومنير البعلبكي) ، بيروت: دار العلم للملايين. ص 481 - 482.
(5) مصطفى جواد، دليل خارطة بغداد المفصل، ص 246.
(6) مصطفى جواد، دليل خارطة بغداد، ص 242 - 243.