التصوف والطرق الصوفية خاصة، والحركات الشعبية عامة، في الذاكرة الشعبية للأمة، فتواصل الذاكرة الشعبية عبر الزمان كان أمتن وأدوم من تواصل التسميات الرسمية.
ولإيضاح السمة العامة التي كانت من مميزات النشاط الصوفي عن نشاط الفقهاء، تذكر المستشرقة شيمل ان الطرق الصوفية كانت تتمتع بقدرة على التطبع مع كل المستويات الاجتماعية والاجناس المختلفة في المنطقة الاسلامية، فالطرق في اندونيسيا وافريقيا كان لها"تمثيل تثقيفي وقوة داعية إلى الاسلام .... وقدرة الطرق على الاندماج قد جعل منها مركبات لنشر التعاليم الاسلامية"، وتقول بوضوح انه"من الحقائق الثابتة ان أجزاء كبيرة من الهند واندونيسيا وافريقيا السوداء قد دخلت الاسلام من خلال النشاط الدؤوب لوعاظ الصوفية الذين كانوا يجسدون في معيشتهم أبسط التكاليف الاسلامية ... دون الولوج في الخلافات الكلامية"
و الفقهية" [1] ."
لقد كان تأثير التصوف عميقًا حتى في لغات المسلمين غير العربية فقد كان لوعاظ الصوفية في البلاد الاسلامية غير العربية أثر واضح في تطور لغات مثل التركية والأردية والسندية و البنجابية وغيرها إلى لغات أدب، وذلك لأن وعاظ الصوفية استخدموا اللغات المحلية بدلًا من عربية العلماء [2] .
وكون الطرق الصوفية تطور لاحق للفترة محل البحث فإنه لا يمكن إعطاء صورة موجزة عنه دون تجاوز الفترة المدروسة والاستطراد ولو لبعض فقرات. تصف شيمل الشيخ عبد القادر الجيلي بأنه"أكبر ولي شعبي في العالم الاسلامي"، وان قبره ببغداد مازال مزارًا للمسلمين وخاصة من شبة القارة الهندوباكستانية التي ادخلت إليها الطريقة القادرية خلال القرن الخامس عشر الميلادي/التاسع الهجري، وتقول ان أغاني السند القديمة تصف امتداد مملكته الروحية من اسطنبول حتى دلهي، وتؤكد شيمل ذلك بقولها:"لعبت طريقته دورًا حاسمًا في أسلمة غرب افريقيا" [3] .
أما الباحثة جاكلين شابي فترى ان الجيلي"كان ممن بفضلهم تبنت الحركة التقليدية خلال القرنين اللاحقين [السابع والثامن الهجريين] منعطف الطرقية". وقد درست شابي ماتسميه"الذهنية الطرقية"لتميز بين الجيلي بوصفه"شيخ"
(1) شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام، ص 272.
(2) المرجع نفسه، ص 272.
(3) شيمل، الأبعاد الصوفية، ص 279 - 281.