الصفحة 262 من 287

إن هذه السببية ليست مقصورة على الجيلي وحده أو على بغداد وحدها، وهي ليست محصورة في القضايا الاجتماعية بل تتجاوزها إلى جميع مناحي الحياة، ومنها العسكرية، فقد قيل ان برهان الدين البلخي قال لنور الدين زنكي:"أتريدون أن تنصروا وفي عسكركم الخمور والطبول والزمور، كلا والله. فلما سمع نور الدين كلامه عاهد الله على التوبة"، ولبس الخشن وأبطل مابقي في بلاده من الاعشار والمكوس والضرائب، ومنع ارتكاب الفواحش [1] ، ومعنى الكلام ان النصر لايأتي بمعصية الله، وإنما بطاعته، وهكذا ارتبط النصر بعلاقة سببية بطاعة الله. ان وصف الصوفية بأنهم"اهل التحقيق"يعني أنهم تحققوا بالأوامر والنواهي الشرعية حتى وجدوا ثمراتها المنصوص عليها في القرآن والسنة، فتحققوا من آيات قرآنية مثل الآية {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [2] ، فتحققوا بالتقوى حتى ذاقوا ثمرتها ونتيجتها وهي المخرج والرزق من حيث لا يحتسب، قال الجيلي:"هذه الآية غلقت باب التوكل على الأسباب، غلقت باب الأغنياء والملوك، وفتحت باب التوكل" [3] .

ومما تشير إليه السببية الإيمانية أن وجود الصالحين الموحدين في بلد ودعاءهم هو سبب لصرف عذاب الله عن أهلها [4] ، وقد كان للصالحين حرمة ومكانة كبيرة في المجتمع البغدادي اكثرت المصادر من الاشارة إليها.

ولقدماء الصوفية اقوال ذات منحىً اجتماعي تشعر بهذه السببية، فمنها قول ابي بكر الوراق (ت280هـ) في تعريف العوام والغوغاء والخاصة ونتائج فساد كل فئة منهم، قال:"عوام الخلق هم الذين سلمت صدورهم وحسنت أفعالهم وطهرت ألسنتهم، فإذا خلوا من هذا فهم الغوغاء لا العوام"، وقال:"إذا فسدت العامة غلبت الفساق على أهل الصلاح، وولاة الجور على ولاة العدل، والكفار على المسلمين"، وقال:"الخاصة هم الذين فقهت قلوبهم، وحسنت أخلاقهم، وكانوا أئمة يدعون الناس إلى الخير والعمل به، وسالموا السلطان على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلماء على صدق الخبر، والعامة على ظاهر الأمور. فإذا خلوا من ذلك فهم المفترون. وإذا فسدت الخاصة"

(1) ابن ابي جرادة، زبدة الحلب من تاريخ حلب، ج 2، ص 491.

(2) سورة الطلاق، الآيتان 2 - 3.

(3) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 335.

(4) المصدر نفسه، ص 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت