الصفحة 263 من 287

غلبت الكذبة على الصادقين، والكهنة على الموقنين، والموسوسون على المخلصين" [1] ."

ان مثل هذه الاقوال تفسر سبب اتخاذ الصوفية من الوعظ والتناصح - دون الجدال - سبيلًا لإصلاح العامة في المجتمع.

يلاحظ مما تقدم ان المواعظ الصوفية كانت تنطوي على سببية إيمانية مستندة إلى الكتاب و السنة، وان تأثيرها في جمهور المستمعين كان اكبر من تأثير القوانين والشرط لأنها كانت تشعر كل فرد بمسؤوليته تجاه ما يلقاه، فأحيت بذلك زاجرًا داخليًا في الناس هذب اخلاقهم وضبط تصرفاتهم فاستفاد المجتمع من هذا التأثير.

ويقدر ان يكون هذا هو فعل المواعظ في البيئة الاجتماعية ببغداد والتي اشتهر بها الصوفية في القرن السادس الهجري، فلا عجب اذن ان تاب على ايديهم وفي مجالس وعظهم كثير من اهل السوء.

وإن الذي يمدّ هذه السببية بقوة التأثير والإقناع هو قابليتها للاختبار والتحقق من نتائجها.

ان تمكن هذه السببية في النهج الصوفي مكّن الصوفية مما يسمونه"الفهم عن الله"، الأمر الذي حدى بهم إلى محاسبة أنفسهم و الرقابة عليها وعدم الغفلة عنها.

ملخص معنى السببية هذا هو ان هناك سببًا يربط الأحداث والوقائع الخارجية بحركة النفس الداخلية، مما يعني ان إحداث التغيير في الواقع المعاش إنما يبتدئ بإحداث التغيير في النفس، فالواقع تابع للنفس البشرية إذا تحقق مفهوم الفهم عن الله، وليس أوضح من قول قائلهم:"إني لأعرف ذنبي من سوء خلق دابتي".

موضوعات الخطاب الصوفي:

يقصد بالموضوعات القضايا التي تناولها الصوفية في كلامهم ومواعظهم ومصنفاتهم، وبخاصة تلك التي لها صلة بالجانب الاجتماعي في حياة الناس ببغداد في القرن السادس الهجري.

والمعالجة الصوفية للقضايا الاجتماعية ترجع الأسباب إلى الحالة الإيمانية والخلقية لدى الناس.

وقد تمثلت وسائل الصوفية في توصيل رسالتهم إلى جمهور الناس بوسائل منها: تربية المريدين وقد تم تناول هذا الجانب في الفصل السابق، ومنها تصنيف الكتب، ومجالس الوعظ، وحلقات الذكر الصوفي التي كانت تتضمن السماع والشعر.

أما مصنفاتهم، فقد كان الصوفية من أغزر المؤلفين انتاجًا للكتب في المجتمع

الاسلامي [2] . وقد صنف ابو الفتوح احمد الغزالي (ت 520 هـ) اخو ابي حامد عددًا من المصنفات منها:"لباب الإحياء"وهو اختصار لكتاب اخيه احياء علوم الدين، كما صنف"الذخيرة في علم البصيرة" [3] ، وكتاب"سوانح" [4] باللغة الفارسية، كما دونت مجالس وعظه في اربع مجلدات [5] .

وصنف عين القضاة الميانجي عبد الله بن محمد (ت 525 هـ) كتاب"زبدة الحقائق"في التصوف، وكتاب"البحث عن معنى البعث" [6] .

وصنف ابو الفتوح الاسفراييني محمد بن الفضل (ت 538 هـ) عدة كتب منها:

"كشف الاسرار على لسان الأخيار"، و"بيان القلب"، و"بث الاسرار". قال الذهبي: وكلها كتب نكت و إشارات وهي مختصرة الحجم [7] .

وصنف الشيخ عبد القادر الجيلي (ت 561 هـ) كتاب"الغنية لطالبي طريق الحق [8] "، وكتاب"الفتح الرباني والفيض الرحماني"وهو مما نقله تلميذه عفيف الدين بن المبارك من مجالس الشيخ في الرباط والمدرسة، ويحوي اثنين وستين مجلسًا من المجالس المنعقدة بين سنة 545 - 546 هـ [9] ، و كتاب"فتوح الغيب"بنقل ابنه عبد الرزاق [10] . هذا وقد أورد الشطنوفي في بهجة الاسرار

(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 226.

(2) شيمل، الابعاد الصوفية، ص 226.

(3) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 8، ص 76.

(4) شيمل، الابعاد الصوفية، ص 332.

(5) المناوي، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 649.

(6) الحموي، معجم الادباء، ج 4، ص 1551.

(7) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 36، ص 481.

(8) نشرته دار إحياء التراث العربي ببيروت.

(9) نشرته دار مكتبة الحياة سنة 1995.

(10) نشرته المكتبة الازهرية للتراث سنة 2004.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت