أما الوعظ ومجالسه فقد كانت من ابرز مواقع التقاء الصوفية بعامة الناس، وقد اختار الصوفية الوعظ دون المناظرة لتوصيل رسالتهم الاجتماعية الاصلاحية، لما في الوعظ من جانب تربوي نفسي، ولأنه يُبرز أوضح صفاتهم ألا وهي الصدق. قال ابو بكر بن ابي سعدان أحد اصحاب الجنيد في نهاية القرن الثالث الهجري:"من جلس للمناظرة - على الغفلة - لزمته ثلاثة عيوب: أولها جدال وصياح وهو المنهي عنه، وأوسطها: حب العلو على الخلق وهو المنهي عنه، وآخرها: الحقد والغضب وهو المنهي عنه. ومن جلس للمناصحة فإن اول كلامه موعظة، وأوسطه دلالة، و آخره بركة" [1] .
ونظرًا لأن التصوف كله اخلاق، فقد اشتكى بعضهم من الحالة الخلقية المتدنية لدى اهل زمانه، قال ابو بكر الواسطي (ت320هـ) :"ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الاسلام، ولا اخلاق الجاهلية، ولا احلام ذوي المروءة" [2] .
وموضوعات الوعظ تصطبغ بصبغة الزمان الذي تلقى فيه، قال ابو تراب النخشبي (ت245هـ) :"ان الله عز وجل يُنطق العلماء في كل زمان بما يشاكل اعمال أهل ذلك الزمان" [3] .
وفي القرن السادس الهجري في بغداد، كانت اكثر مجالس الوعظ التي وصلت إلينا هي مجالس الشيخ عبد القادر الجيلي، على كثرة الوعاظ في زمانه. وكان للجيلي نظرة لزمانه واهله حيث قال:"هذا زمان الرياء والنفاق واخذ الاموال"
بغير حق، قد كثر من يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويفعل افعال الخير للخلق، لا للخالق" [4] ، وقال:"لولا الصبر لما رأيتموني بينكم ... وإلا فهل عاقل يقعد في هذه البلدة ويعاشر أهلها؟ قد عمّ فيها الرياء والنفاق والظلم وكثرة الشبهة والحرام، قد كثر كفران نعم الحق عز وجل والاستعانة بها على الفسق والفجور" [5] ، وبالتالي فإن هذه القضايا الاجتماعية كانت من ابرز موضوعات وعظه، إضافة إلى تبسيط معاني التصوف كي يفهمها جمهور السامعين."
لكن يلاحظ في مواعظ الجيلي أنها لم تركز مافيه الكفاية على نقد المؤسسة الحاكمة سواء كانت السلطنة السلجوقية أو الخلافة العباسية، بالرغم من وجود
(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 422.
(2) المصدر نفسه، ص 303.
(3) المصدر نفسه، ص 151.
(4) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 19.
(5) المصدر نفسه، ص 15.