الصفحة 267 من 287

نتف هنا وهناك، والسبب في ذلك هو نظرة الصوفية إلى ان فساد العامة هو سبب تسليط الظالمين عليهم [1] - كما مر آنفًا في بحث السببية - وليس العكس، ولذلك كان جلّ المواعظ موجهًا إلى عامة الناس والفقهاء والوعاظ والصوفية ممن انحرفوا عن الصراط أو عرف عنه النفاق او الجهل بما يدعون الناس إليه.

وكان الجيلي يرى ان التغيير و الاصلاح لا يتصدى له إلا أهله، وهم على طبقات، ولكل طبقة طاقة وقدرة وإلا صارت الفوضى عارمة، فقال:"فإذا ثبت وجوب الانكار فالمنكرون ثلاثة اقسام: قسم يكون انكارهم باليد وهم الائمة والسلاطين، والقسم الثاني انكارهم باللسان دون اليد وهم العلماء، والقسم الثالث انكارهم بالقلب وهم العامة"، ثم يستشهد بالحديث النبوي"إذا رأى احد منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان" [2] . وبناء على ذلك، كانت مهمة الجيلي الوعظ بلسانه ولسان حاله لتغير المنكر في المجتمع، وقد قام بذلك عبر النقد ووضع البديل.

وقد كان خطاب الجيلي في مواعظه موجهًا إلى عدد من فئات المجتمع البغدادي، إلا ان نقده كان قائمًا على محور رئيسي واحد دارت حوله بقية الانتقادات، وهو ضبط واصلاح معاني التوحيد والاخلاص الرائجة في زمانه.

قال الجيلي في احد مواعظه:"قد صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة، قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة، ويحكم، جعلتم الفرع أصلًا، المرزوق رازقًا، المملوك مالكًا .... إذا عظمت جبابرة الدنيا وفراعنتها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله ولم تعظمه فحكمك حكم من عبد الاصنام .... ويلك، اعبد خالق الاصنام وقد ذلت لك الاصنام" [3] .

وقال مرة أخرى:"تقول لا إله إلا الله وتكذب ... في قلبك جماعة من الآلهة: خوفك من سلطانك ووالي محلتك آلهة، اعتمادك على كسبك وربحك وحولك وقوتك وسمعك وبصرك وبطشك آلهة، رؤيتك للضر والنفع والعطاء والمنع من الخلق آلهة ... فأي وقت اعتمد قلبك على شيء غير الحق عز وجل ... صار إلهك الذي اعتمدت عليه. لا اعتبار بالظاهر، القلب هو المؤمن"

(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 226.

(2) الجيلاني، الغنية، ص 80.

(3) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت