هو الموحد هو المخلص" [1] ، وأوجز المعنى حين قال:"كل من اعتمدت عليه فهو إلهك، وكل من خفته ورجوته فهو إلهك، كل من رأيته في الضر والنفع ولم تر الحق عز وجل مجرٍ ذلك على يديه فهو إلهك" [2] ."
ومما يؤكد ان محور مواعظه هو التوحيد، قوله:"كل البلايا والأمراض شركك بالخلق ... وكل الدواء وزوال البلاء في خروج الخلق من قلبك" [3] .
ومن ابرز ما يتصل بالتوحيد قضية الرزق. وقد قال قدماء الصوفية:"ضمن الله تعالى لعباده الرزق، وفرض عليهم التوكل" [4] ، وقال حمدون القصار (ت271هـ) :"كفايتك تُساق إليك باليسر من غير تعب، وإنما التعب في طلب الفضول" [5] .
وقد شرح الجيلي في عصره هذه المعاني ودعا الناس لأن يجملوا في طلب الرزق، فقال:"ويحك يا جاهلًا بالقدر والمقدر له، أتظن ان ابناء الدنيا يقدرون"
ان يعطوك مالم يقسم لك ... الطامع في أخذ الدنيا من أيدي الخلق يبيع الدين
بالتبن" [6] . اذن، فالرزق مقسوم ومضمون من الله تعالى، وطلبك ماقد قسم تعب، اما طلبك مالم يقسم فمقت وخذلان، والتدبير في طلب الرزق يخشى منه ارضاء الخلق بسخط الله، ومن اسخط الله اخذه الله أخذًا أليمًا، بالمرض والذل والفقر وتسليط الشدائد والغموم والهوم وغيرها [7] . ولكن الجيلي يميز بين طلب الرزق والتدبير فيه وبين الكسب، فالكسب هو اصطحاب السبب بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ان تعلم ان المسبب هو الله الرازق وليس السبب،"الكسب سنته والتوكل حالته" [8] ."
ليس هذا فحسب، بل إن الجيلي، في العديد من المواضع، يخبر الناس، بأن الله تعالى قادر على أن يطعمهم بدون سبب معلوم، شريطة ان يكون إيمانهم قويًا وان يكونوا منقطعين إليه [9] ، وهذه دعوة لهم للدخول في طريق التصوف.
(1) المصدر نفسه، ص 80.
(2) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 101.
(3) المصدر نفسه، ص 77.
(4) السلمي، طبقات الصوفية، ص 219.
(5) المصدر نفسه، ص 127.
(6) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 41.
(7) المصدر نفسه، ص 24 - 25.
(8) المصدر نفسه، ص 351.
(9) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 343.