الصفحة 269 من 287

وهو في هذا صادق مجرب، فقد كان الصوفية في زمانة - وقبله - ينازلون هذه الاحوال التي يأكلون فيها من يد القدرة خلال ما تسميه الصوفية"السفر على قدم التجريد"، حيث يقطعون البراري على التجريد منفردين بلا زاد ولا راحلة ولا رفيق، فيطوون الايام والليالي لا يأكلون فيها ويديمون السير [1] ، وقد سبقت الاشارة إلى حج الجيلي على قدم التجريد في شبابه [2] . ويعد السفر على قدم التجريد من الكرامات التي عرفت عن الصوفية المحققين، دون ان تكون الكرامات مقصدهم وإنما تدقيق مقام التوكل عندهم.

كان الجيلي يدعو الناس إلى امر جربه وخاضهُ بنفسه ووجد ثمرته، ولذلك كان يوجه نقده للوعاظ - وقد كثروا في بغداد في تلك الآونة - الذين يدعون الناس إلى امر ويخالفونه، أو يدعونهم إلى رب لا يعرفونه. فكان الوعاظ من جملة الفئات التي وجه إليها نقده ودعوته إلى إصلاحهم، واشترط على الواعظين شروطًا من شأنها النهوض بهم وبجمهور السامعين.

سئل الجيلي عن قول الحسن البصري:"إذا لم يكن العالم زاهدًا كان عقوبة على اهل زمانه"لم كان عقوبة عليهم؟ فقال الجيلي:"لأنه يتكلم بغير إخلاص ولا عمل، فلا يقع في قلوبهم ولايثبت، فيستمعون ولا يعملون" [3] .

ورتب الجيلي المراحل التي يجب ان يقطعها الوعاظ و الدعاة إلى الله قبل ان يتكلموا على الناس بالوعظ، فقال:"إذا عملت بهذا الظاهر [اي احكام الشرع] أدّاك إلى فهم الباطن. أول ما يفهم سرك ثم يملي قلبك على نفسك، وتملي نفسك على لسانك، ويملي لسانك على الخلق، يتعدى ذلك إليهم لمصالحهم ومنافعهم" [4] . وقال: عظ نفسك أولًا ثم عظ نفس غيرك ... إنما يردُّ الناس إلى الله من عرفه، أما من جهله فكيف يدل عليه!" [5] ، وقال مقرعًا لهم:"يا سلابين الدنيا بطريق الآخرة ... أنتم أحق بالتوبة من هؤلاء العوام" [6] ."

كما وجه الجيلي نقده لعلماء زمانه فقال:"كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا ... أنتم واكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة خونة"

(1) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 1، ص 150 - 152.

(2) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 119.

(3) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 346.

(4) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 32.

(5) المصدر نفسه، ص 8 - 9.

(6) المصدر نفسه، ص 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت