الصفحة 270 من 287

في مال الله عز وجل، في عباده" [1] ."

كما نقد الجيلي التعصب المذهبي، وكانت دعوته لأهل المذاهب"يسعكم ماوسع من كان قبلكم" [2] .

ولم تخل مواعظ الجيلي من توجيه الانتقاد إلى المؤسسة الرسمية إذا تولى ظالم منصبًا،"وكان يصدع بالحق على المنبر، وينكر على من يولي الظلمة على الناس"، كما فعل عندما ولي ابن المرخم القضاء [3] . وكان الجيلي يخشن كلامه لأرباب الدولة الذين يحضرون مجلسه كاستاذ الدار [4] ، ونقيب النقباء [5] ، إلا أن مواعظ الجيلي كانت تكثر من ذكر السلاطين دون الخلفاء [6] ، وفي ذلك دلالة على مكانة الخليفة الشرعية عند المسلمين آنذاك، ورفضهم لما كان يمارسه السلاطين على الخلفاء من هيمنة.

أما نقد الجيلي للصوفية فقد نال حيزًا غير قليل من مواعظه. ولكن نقد الصوفية لأنفسهم أو لمن تشبه بلباسهم ليس جديدًا. وقد اخذ انتقادهم لانفسهم شكل انتقاد الشطحات وربما تفسيرها، وشكل انتقاد الغلطات [7] ، والبحث لا يتسع لدراسة هذا الجانب من التصوف، وسيكتفي الباحث لاحقًا بتعريف معنى الشطح عندهم.

وقد انتقد ابو نعيم الأصفهاني (ت430هـ) في حليته المنتسبين إلى التصوف من غير أهله [8] . وقبله انتقدهم النوري (ت295هـ) فقال:"كانت المراقع غطاء على الدر فصارت اليوم مزابل على جيف" [9] ، وصنف ابو حامد الغزالي (ت505 هـ) "أصناف المغرورين"وانتقد فيه فيما انتقد اغترار بعض المتصوفة [10] .

وفي القرن السادس الهجري، انتقد ابو القاسم الصقلي عتيق بن محمد (ت523هـ) نزيل بغداد، وكان من الصالحين، انتقد الصوفية بأبيات شعر منسوبة لغيره فقال:

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاؤك إن غنى المغنونا

ولا صراخ ولا رقص ولا طرب ... ولا ارتعاش كأن قد صرت مجنونا

بل التصوف ان تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدينا

وأن ترى خاشعًا لله ذا وجل ... طوال دهرك ما قدعشت محزونا [11]

وميّز ابو النجيب السهروردي (ت563هـ) في نقده بين مدعي التصوف وبين صالحي الصوفية فقال:"فإنه من كثرة المدعين جهل حال المحققين، وفساد المفسدين الفاسدين إليهم يعود، ولايقدح في صلاح الصالحين" [12] ، وبعد ان وصف اخلاق الصوفية انتقد اخلاق المتشبهين بهم فقال:"فإنهم سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصًا، والخروج عن الحق شطحًا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا وصولًا، وسوء الخلق صولة، والبخل نكادة، وبذاءة اللسان ملامة، وما كان هذا طريق القوم" [13] .

وقال شهاب الدين السهروردي (ت632هـ) عن حال بعض الصوفية

في زمانه:"كثر المتشبهون واختلفت احوالهم، وتستر بزيهم المتسترون وفسدت اعمالهم" [14] .

أما الجيلي فقد كان شديدًا على أولئك المتسترين من متشبهة الصوفية، حتى انه قال في بعض مواعظه:"يتلبس أحدكم بزي الصالحين زرقة وصوفًا وهو عندنا كافر" [15] ، وانتقد اهل الكدية منهم، وصحح لهم هذا الحال فقال:"لابد في بداية أمرك من صنعة تكتسب بها، وتأكل منها حتى يقوى إيمانك، فإذا دمت على ذلك وثبت أخرجك الحق عز وجل إلى التوكل، فيطعمك من غير"

(1) المصدر نفسه، ص 244.

(2) المصدر نفسه، ص 24، 50.

(3) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 39، ص 99.

(4) الجيلاني، الفتح الرباني، 401 - 402.

(5) المصدر نفسه، ص 369 - 370.

(6) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 49.

(7) للتوسع انظر: السراج، اللمع، ص 362 - 386.

(8) الاصفهاني، حلية الاولياء، ج 1، ص 4.

(9) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 34.

(10) الغزالي، حجة الاسلام ابو حامد محمد بن محمد، (ت 505 هـ) . اصناف المغرورين، (دراسة وتحقيق وتعليق عبد اللطيف عاشور) ، مكتبة القرآن، القاهرة، 1986. ص 75 - 76.

(11) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 2، ص 132 - 133.

(12) السهروردي، آداب المريدين، ص 11.

(13) المصدر نفسه، ص 35.

(14) السهروردي، عوارف المعارف، ص 8.

(15) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 343.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت