سبب" [1] ."
وانتقد صوفية الصوامع والزوايا فقال:"تعبدون الخلق في صوامعكم" [2] ، وقال:"ويحك، تقعد في صومعتك وقلبك في بيوت الخلق منتظرًا لمجيئهم وهداياهم" [3] ، وهكذا يعود الأمر في نقد الصوفية إلى قضية الرزق.
ومن أهم القضايا التي كان للجيلي دور بارز فيها، ووجد صداها في مواعظه، قضية التفقه ثم الانقطاع، وكانت هذه نداءً للفقهاء وللصوفية على حد سواء.
وقد أشار الصوفية الأوائل إلى ترتيب التفقه قبل التصوف، قال السري السقطي (ت251هـ) :"إذا ابتدأ الانسان بالنسك ثم كتب الحديث فتر، وإذا ابتدأ بكتب الحديث ثم تنسّك نفذ" [4] ، واكد الجنيد (ت298هـ) هذا المعنى فقال:"علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به" [5] . وكان ابن الكاتب يقول عن ابي علي الروذباري (ت323هـ) : سيدنا ابو علي. فسئل عن ذلك فقال:"لأنه ذهب من علم الشريعة إلى علم الحقيقة، ونحن رجعنا من علم الحقيقة إلى علم الشريعة" [6] .
وقد ساهم الجيلي في إحياء هذا النهج الذي كاد يندثر آنذاك، فقال في بعض مواعظه:"ياغلام، أما سمعت، تفقه ثم اعتزل" [7] ، وتكاد مواعظه كلها لا تخلو من شرح وتفصيل لهذا النهج، وقال في موقع آخر:"القوم تفقهوا ثم اعتزلوا عن الخلق بقلوبهم، ظواهرهم مع الخلق لإصلاحهم، وبواطنهم مع الحق عز وجل في خدمته وصحبته" [8] ، وقال:"إذا أردت الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب بهم ... مايحسن بصاحب الزاوية ان يخرج من زاويته ويسأل الناس عن أمر دينه" [9] .
(1) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 313.
(2) المصدر نفسه، ص 299.
(3) المصدر نفسه، ص 105.
(4) السلمي، طبقات الصوفية، ص 55.
(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 7، ص 251.
(6) السمعاني، الانساب، ج 3، ص 101.
(7) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 67.
(8) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 279.
(9) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 2، ص 46.