الصفحة 273 من 287

وكان الشبلي (ت334هـ) قد سئل عن الغناء أحق هو؟ قال: لا، فقيل: فماذا؟ قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وكان الجيلي يرى كراهته لما في ذلك من ثوران الطبع وهيجان الشهوة والميل إلى النسوان وأباطيل النفوس ورعوناتها ..." [1] ."

لكن السماع عندهم غير منحصر في الغناء، فقد يكون السماع من بيت شعر، أو من كلمة عابرة يسمعها الصوفي فتحدث له وجدًا. وقد سئل ذو النون المصري (ت245هـ) عن السماع فقال:"وارد حق يزعج القلوب إلى الحق، فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق"، وقيل:"أهل السماع ثلاثة: مستمع بربه، ومستمع بقلبه، ومستمع بنفسه"، وقيل:"لا يصح السماع إلا لمن فنيت حظوظه وبقيت حقوقه، وخمدت بشريته" [2] .

ويحكى ان الجنيد كان يصحبه شاب كلما سمع شيئًا زعق وتغيّر، فنهاه الجنيد، فكان بعدها يضبط نفسه ويتصبب عرقًا حتى زعق يومًا زعقة خرجت فيها روحه [3] .

وقد أورد السلمي قولًا لابي عبد الله الروذباري (ت369هـ) فيه تفصيل يفسر كثيرًا من الفاظ الصوفية في باب السماع وغيره، وقد رأى الباحث إيراده رغم طوله لما فيه من إيضاح لكثير مما اوردته المصادر في هذا الشأن. قال الروذباري: سر السماع ثلاثة أشياء: بلاغة ألفاظه ولطف معانيه وإستقامة منهاجه، وسر النغمة ثلاث: طيب الخلق وتأدية الألحان وصحة الإيقاع. وسر الصادق في السماع ثلاثة: العلم بالله والوفاء بما عليه وجمع الهمة. والوطن الذي يسمع فيه يحتاج ان يجمع فيه ثلاث خصال: طيب الروائح و كثرة الأنوار وحضور الوقار، ويعدم ثلاثة: رؤية الاضداد ورؤية من يُحتشم منه ورؤية من يتلهى. ويسمع من ثلاث: الصوفية والفقراء والمحبين لهم. ويسمع على ثلاثة معانٍ: على المحبة والوجد والخوف. والحركة في السماع على ثلاث: الطرب والخوف والوجد. والطرب له ثلاث علامات: الرقص والتصفيق والفرح. والخوف له ثلاث علامات: البكاء واللطم والزفرات. والوجد له ثلاث علامات: الغيبة والاصطلام والصرخات" [4] ."

(1) الجيلاني، الغنية، ص 44.

(2) السهروردي، آداب المريدين، ص 91.

(3) المصدر نفسه، ص 93.

(4) السلمي، طبقات الصوفية، ص 500.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت