وكان صوفية الربط في بغداد يجتمعون في شهر رجب، ويقول قوالهم الشعر غناءً، وقد ذكر لهم اجتماع في سنة 600 هـ غنى فيه القوال شعرًا،"فتحرك الجماعة، عادة الصوفية في السماع، وطرب الشيخ المذكور [احمد بن ابراهيم الداري] ، وتواجد، ثم سقط مغشيًا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فصلي عليه ودفن، وكان رجلًا صالحًا" [1] .
ولأبي مدين تفسير في شرح حال من يرقص في السماع، فقال:
يحركنا ذكر الاحاديث عنكم ... ولولا هواكم في الهوى ما تحركنا
فقل للذي ينهى عن الوجد أهله ... إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
إذا اهتزت الارواح شوقًا إلى اللقا ... نعم ترقص الأشباح يا جاهل المعنى
أما تنظر الطير المقفص يا فتى ... إذا ذكر الأوطان حنَّ إلى المغنى
يفرح بالتغريد ما بفؤاده ... فيطرب ارباب العقول إذا غنى
ويرقص في الاقفاص شوقًا إلى اللقا ... فتضطرب الاعضاء في الحس والمعنى
كذلك ارواح المحبين يا فتى ... تهززها الأشواق للعالم الأسنا
أنلزمها بالصبر وهي مشوقة ... وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنى [2]
ويلحظ في أشعار الصوفية صدق اللهجة و الحنين والحرقة، ويكتنفها ألفاظ تشير إلى كلمات قرآنية ونبوية بحيث تعطي معنى وجدانيًا غير ما اعتاده الناس لتلك الآيات. ومن أشعار متصوفة بغداد الدالة على شدة المحبة لله والمؤدية بهم إلى القطيعة عن الناس، وهي من الملامح التي استمرت في حركة التصوف ماقاله عبد الملك بن ابي نصر (ت545هـ) الذي كان فقيهًا يأوي الخراب:
كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده ... فصرتُ مولى الورى مذ صرت مولاي
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلًا بحبك يا ديني ودنيأي [3]
وللشيخ علي بن الهيتي (ت564هـ) شعر يعبر فيه عن معنى وجداني قد يربك السامع الذي لم يذق ماذاق، قال:
إن رحت أطلبه لا ينقضي سفري ... أو جئت أحضره غُيّبت في الحضر
فلا أراه، ولا ينفك عن نظري ... وفي ضميري ولا ألقاه في عمري
فليتني غبت عن جسمي برؤيته ... وعن فؤادي وعن سمعي وعن بصري [4]
وللجيلي (ت 561 هـ) اشعار كثيرة، ومنها قطعة تشير إلى الشراب، الصرف منه والممزوج، إشارة إلى الآية الكريمة التي تشير إلى شراب الابرار الممزوج وشراب المقربين الصرف: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ? ? ? ? ?} [5] ، وقوله تعالى: {? ? ? ? ? ? ? ? ? عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [6] ، قال الجيلي:
انا راغب فيمن يقرب نفسه ... ومناسب لفتى تلاطف لطفه
ومفاوض العشاق في أسرارهم ... من كل معنىً لم يسعني كشفه
قد كان يسكرني مزاج شرابه ... واليوم يصحيني لديه صرفه
وأغيب عن رشدي بأول نظرة ... واليوم أستجليه ثم أزفه [7]
وفي هذه الابيات إشارة إلى ارتقاء الجيلي من حالة الفناء الصوفي إلى حالة
(1) ابن الاثير، الكامل، ج 10، ص 294.
(2) ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص 58.
(3) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 1، ص 80 - 81.
(4) التادفي، قلائد الجواهر، ص 196.
(5) سورة المطففين، الآيتان 27 - 28.
(6) سورة الانسان، الايتان 5 - 6.
(7) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 124.