الصفحة 276 من 287

البقاء.

و الصوفية إذا شعروا بالوجد عند نظر الحبيب إليهم هان عليهم مايلقونه في سبيله، قال الصوفي ابن الدجاجي (ت 564 هـ) :

لي لذة في ذلتي وخضوعي ... وأحب بين يديك سفك دموعي

وتضرعي في رأي عينك راحة ... لي من جوىً قد كنّ بين ضلوعي [1]

وقد ذكر ابن خلكان ان سبب لطافة شعر ابن المعلم محمد بن علي الواسطي

(ت 592 هـ) انه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء المنتسبون إلى الشيخ احمد بن الرفاعي (ت 578 هـ) ... وغنوا بها في سماعهم وطابوا عليها فعادت عليه بركة أنفاسهم [2] ، وقد رأى الباحث ايراد الابيات رغم طولها لأنها تعرف بكثير من المعاني الصوفية التي اشتركوا فيها مع أهل المحبة واختلفوا معهم في المقصود، ومن ذلك قوله:

هو الحمى ومغانيه معانيه ... فاحبس وعان بليلى ما تعانيه

لا تسأل الركب والحادي فما سأل ... العشاق قبلك عن ركب وحاديه

ما في الصحاب أخو وجدٍ أطارحه ... حديث نجدٍ ولا صبّ أجاريه

إليك عن كل قلب في أماكنه ... ساهٍ وعن كل دمع في مآقيه

ما واجد القلب في المعنى كفاقده ... وجامد الدمع في البلوى كجاريه

يا منزلًا بدواعي البين منتهبٌ ... وما البلية إلا من دواعيه

وقفت أشكو اشتياقي والسحاب به ... فانهلّ دمعي وما انهلت عزاليه

ومالك غير قتلي ليس يُقنعه ... وفاتك غير ذلي ليس يُرضيه

لم أدر حين بدا والكأس في يده ... من كأسه الخمر أم عينيه أم فيه

حكت جواهره أيامه فصفت ... واستهدت الشمس معنىً من معانيه [3]

وهناك من الشعراء غير ابن المعلم ممن أخذ الصوفية اشعارهم وغنوها في سماعاتهم وتواجدوا بما تنطوي عليه من معانٍ توافق احوالهم وتحاكيها، مثل الشاعر ابن الباطوخ (ت544هـ) وغيره [4] . لقد كان الصوفية يضفون معانيهم الخاصة على ألفاظ الشعراء فتعطيها معنىً ووجهة خاصة بهم، وكل يغني على ليلاه.

وفي خاتمة الكلام عن هذا الموضوع يجدر التنويه إلى ان المدائح النبوية نشأت في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، فكان النحوي المعروف بـ"ملك النحاة"الحسن بن ابي الحسن (ت 568هـ) اول شاعر يمدح الرسول بعدد من القصائد يبلغ الستّ [5] .

مفاهيم في الخطاب الصوفي:

من مشاكل دراسة الألفاظ الصوفية أن معانيها تقع ضمن ما يسمونه الاحوال وليس ضمن الأقوال، فهي احوال تعتري القلوب وليست الفاظ تنطقها الألسنة إلا في ظروف خاصة بهم. وقد يجد القارئ في كثير من الاحيان ضرورة الرجوع إلى آيات القرآن و إلى الحديث النبوي لتحصيل قدر من الفهم في ألفاظ الصوفية. وإشارات الصوفية غالبًا ما تنطوي معانيها في نفس السامع إذا كان منهم، إذ أن الألفاظ نفسها لا تبدي من المعاني إلا الشيء القليل، ولذلك فإن الفاظهم إيحائية إلى حد كبير، وليست بأي حال تصريحية. ولهذا فقد رتبوا تلك المعاني في رتب من التدقيق والتحقيق تتصاعد بحسب منزل السالك في الطريق الصوفي، فقالوا: عبارة، وإشارة، وإمارة، ولطيفة، وحقيقة، إلى غير ذلك. وقد قال قائلهم:"ان علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي"، وفي هذا دلالة على استحالة التعبير عن أذواقهم، فإما ان تذوق وإلا فتكتفي بالاشارة على

(1) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 304.

(2) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 5، ص 5.

(3) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 42، ص 109.

(4) السوداني، مزهر عبد، (1980) . الشعر العراقي في القرن السادس الهجري. بغداد: دار الرشيد للنشر. ص 218.

(5) السوداني، الشعر العراقي،، ص 214 - 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت