مافيها من إرباك لغير الذائق [1] .
يضاف إلى هذه الصعوبة، اثنتان أخريان، إحداهما أن كل صوفي كان ينطق عن حاله، فكان ذلك سببًا لتعدد التعريفات للفظة الواحدة. وثانيهما أن كلام الصوفي في أول طريقه ووسطها يختلف عن كلامه بعد الوصول، ولايمكن تمييز هذا الكلام إلا من قبل محقق واصل [2] .
قال السراج:"كل واحد يتكلم من حيث وقته، ويجيب من حيث حاله، ويشير من حيث وجده، فتكون فيهم لكل واحد من أهل الطاعات وأرباب القلوب والمريدين والمتحققين فائدة من كلامهم، وذلك أيضًا على قدر تفاوتهم واختصاصهم ودرجاتهم" [3] ، وقال:"وعلى قدر المحبة وصفاء الذكر ووجود القرب يقع التفاوت في الفهم" [4] .
وقال ابو النجيب السهروردي:"فكل أجاب على حسب حاله، أو على قدر ما يحتمل السائل" [5] .
وفي معرض تمحيص ابن خلدون (ت 808 هـ) لكلام الصوفية، ميز أربعة أنواع من الكلام، لكل نوع حكم، فأما كلامهم في المجاهدات وما تنتجه من اذواق"فأمر لا مدفع فيه لأحد وأذواقهم فيه صحيحة"، وأما كلامهم في الكرامات فأمر صحيح غير منكر وانكارها نوع مكابرة، وأما الكلام في الكشف"فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه لما أنه وجدانيّ عندهم، وفاقد الوجدان عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه، واللغات لا تعطي له دلالةً على مرادهم منه لأنها لم توضع للمتعارف واكثره من المحسوسات، فينبغي ان لا نتعرض لكلامهم في ذلك"، وأما الالفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع"فاعلم ان الإنصاف في شأن القوم أنهم اهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لايقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطبٍ، والمجبور معذور" [6] .
(1) انظر ابن خلدون، المقدمة، ص 470.
(2) الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 6.
(3) السراج، اللمع، ص 102.
(4) المصدر نفسه، ص 80.
(5) السهروردي، آداب المريدين، ص 29.
(6) ابن خلدون، المقدمة، ص 474 - 475.