وبإرسال الخلع والهدايا العينية والنقدية له، وقد شارك سلاطين السلاجقة الخلفاء العباسيين بشارات الخلافة الرئيسية ومنها: ذكر اسمائهم على المنابر والخطبة لهم في صلاة الجمعة، وضرب أسمائهم على النقود جنب أسماء الخلفاء، وضرب الطبول على أبواب دورهم في أوقات الصلوات [1] .
وبالرغم من أن السلاجقة"جددوا ما اندرس من هيبة الخلافة"لأنها في نظرهم قوام الدين والدنيا وبها سكون الدهماء ونظام الأحوال كلها، إلاّ أنهم جردوا الخلافة من كل سلطة [2] .
لم يُقم سلاطين السلاجقة ببغداد ولم يكونوا يحسنون اللغة العربية وإنما التركية والفارسية [3] ، ومع ذلك فقد اعتبروا بغداد عاصمة ثانية لهم، بينما كانت العاصمة الأولى نيسابور في زمن طغرلبك، والري في زمن ألب أرسلان، واصفهان في زمن ملكشاه وولديه محمود وبركياروق، وكانوا ينيبون عنهم من يقوم مقامهم في حكم العراق وإدارة شؤونه وهما العميد و الشحنة، فكان العميد مخولًا من السلطان بعدد من الأمور منها: ضمان بغداد وهو المبلغ المتفق على أن يؤديه الخليفة للسلطان، وإجراء الاصلاحات العمرانية في بغداد والنظر في أعمالها، وحفظ الأمن و النظام فيها وما يتبعها، والنظر في المظالم وملاحقة المفسدين، والإهتمام بالحج وحراسة طرقه، إضافة إلى مراقبة الخليفة وحاشيته. وبعد تولي نظام الملك (ت 485 هـ) الوزارة صار الشحنة بمثابة النائب عن السلطنة في بغداد بدلًا من العميد الذي صار مساعدًا له، وكان بإمرته قوات عسكرية تساعده على القيام بعمله [4] .
كانت الألقاب التي تضاف إلى الدين والإسلام خاصة بالعلماء، والتي تضاف إلى الدولة خاصة بالأمراء، والتي تضاف إلى الملك خاصة بالخواجات [5] ، وكان الوزير نظام الملك يسمى خواجا بزرك. وربما اقتصرت الألفاظ المضافة إلى الملك في السلطنة السلجوقية على أرباب مناصب بعينها مثل الوزير والمستوفي وعميد بغداد وغيره من عمداء البلاد الخاضعة للسلاجقة [6] .
وكان سلاطين السلاجقة يتدخلون في تنصيب وعزل وزراء الخلفاء، وقد ضعف نفوذ وزراء الخلافة بضعف نفوذ الخليفة نفسه، وكانت مرتبة وزير الخليفة دون مرتبة وزير السلطان خلال فترة السلاطين الكبار طغرلبك (ت 455 هـ) وألب ارسلان (ت 465 هـ) وملكشاه (ت 485 هـ) [7] .
نشطت الحركة الدينية السنية في بغداد في عهد الوزير نظام الملك (456 - 485 هـ) فانتعش العلم وأهله في زمانه، وبنى المدرسة النظامية في بغداد، وعمر دور الكتب، وكانت سوق العلم في أيامه قائمة"والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا"، وانتعشت الأشعرية في زمانه على نحو خاصّ، وترك كثير من أصحاب المذاهب مذاهبهم وتوثقوا بمذهب الشافعي والأشعري [8] ، وبالرغم من أن مذهب سلاطين السلاجقة كان حنفيًا إلا أن مذهب نظام الملك كان شافعيًا [9] ،وكان نظام الملك يعتقد بشيوخ التصوف"حتى عُدّ مريدًا لأبي سعيد بن أبي الخير" [10] ، وكان نظام الملك، وهو أقوى وزير في تاريخ السلطنة السلجوقية على الاطلاق، يرى أن"الملك والدين صنوان، فأي اضطراب في المملكة لابد أن يرافقه اختلال في أمور الدين ... وكلما تتضعضع أمور الدين يتسرب الوهن إلى المملكة، فتقوى شوكة المفسدين الذين يتسببون في إقلاق راحة الملك وزوال هيبته، فتظهر البدعة، ويزداد الخارجون والعابثون قوة وبأسًا" [11] ، ولذلك فقد ذهب عبد الهادي محبوبة إلى ان نظام الملك قرب إليه جماعة من أعلم فقهاء المتصوفة في عصره"وتواضع معهم على تنفيذ خطة ينقذ بها المتصوفة من براثن الغلو في العقيدة والإنفراد والعزلة عن المجتمع، وبذل جهده في تعليمهم، وطالب بتأليف الكتب لتثقيفهم وتوجيههم، وأنفق عليهم أكثر مايفتح عليه من رزق" [12] ، ومع أن هذا رأي الدكتور محبوبة إلا أن فيه دلالة على ثبات وقوة توجهات الوزير ونتائجها. إن الحاجات الإدارية والسياسية للسلطنة السلجوقية قد أملت إلى حد كبير توجهات
(1) المرجع نفسه، ص 110 - 112. وقد ذكر ابن الكازروني أن أول من خطب له على المنابر مع الخلفاء وضرب الطبل على بابه أوقات الصلوات الثلاث المغرب والعشاء والصبح كان عضد الدولة البويهي. ابن الكازروني، مختصر التاريخ، ص 193.
(2) الجالودي، تطور السلطنة، ص 110.
(3) مصطفى جواد، خارطة بغداد، ص 151 - 152.
(4) الجالودي، تطور السلطنة، ص 104.
(5) الخواجات جمع خواجة: لفظ فارسي بمعنى المعلم أو الكاتب او التاجر، أو الشيخ، أو السيد. نظام الملك، سياست نامه، ص 191 (الهامش) .
(6) نظام الملك، سياست نامه، ص 199 - 200.
(7) الجالودي، تطور السلطنة، ص 109 - 110.
(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 68.
(9) نظام الملك، سياست نامه، ص 134.
(10) المصدر نفسه، ص 17 (مقدمة الدكتور غلام حسين يوسفي) .
(11) نظام الملك، سياست نامة، ص 96 - 97.
(12) محبوبة، نظام الملك، ص 140.