مدرسة الدولة [1] ، فقد أنشئ ما يقارب أحد عشر مدرسة نظامية كان أولها في نيسابور حاضرة السلطنة السلجوقية، وفي بغداد، وأصبهان، ومرو، وعسكر مكرم في خوزستان، والبصرة، والموصل، وهراة (على الحدود الشمالية لأفغانستان) ، وبلخ، وآمل (في طبرستان) ، وطوس، وقد ولي التدريس فيها كبار علماء الزمان [2] ، ويبدو أن نظامية بغداد وإن لم تكن أول النظاميات إلا أنها كانت أكبرها وأهمها فقد بلغ عدد طلابها في بعض الأوقات ستة آلاف طالب وكانت نفقات الأساتذة والطلاب تبلغ خمسة عشر ألف دينار سنويًا [3] ، وقد كان يُخلع على مدرس النظامية خلعة مخصوصة هي طرحة زرقاء وأهبة (بزة رسمية) سوداء [4] .
لقد كان قيام السلاجقة بإقامة المعاهد العلمية في بغداد من شأنه أن يزاحم نفوذ الخليفة في عقر داره، بينما اقتصرت المدارس التي أقامها ذوو النفوذ قبلهم على المناطق الواقعة خارج بغداد [5] .
ومما أهمل ذكره الباحثون أن إنشاء المدرسة النظامية في بغداد ترافق مع إنشاء رباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي، الأمر الذي يؤكد توجهات نظام الملك الشافعية الصوفية، كما يؤكد الظاهرة التي راجت في القرن السادس الهجري والمتمثلة ببناء الرباط الصوفي جنب المدرسة، فقد اقترح أبو سعد الصوفي [6] على نظام الملك بناء المدرسة في بغداد فقال:"يا خواجا أنا أبني لك مدرسة ببغداد مدينة السلام لا يكون في معمور الأرض مثلها، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة. قال: إفعل، وكتب إلى وكلائه ببغداد أن يمكنوه من الأموال، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة وخط المدرسة النظامية وبناها أحسن بنيان وكتب عليها اسم نظام الملك، وبنى حولها أسواقًا تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعًا وخانات وحمامات وأوقفت عليها"، ثم إن أبا سعد أنفق من نفس المال الذي بنى به النظامية لبناء"الرباطات للصوفية واشترى الضياع والخانات والبساتين والدور، ووقف جميع ذلك على الصوفية. فالصوفية إلى"
(1) العش، دور الكتب، ص 180 - 187.
(2) للتوسع أنظر: محبوبة، نظام الملك، ص 379 - 390.
(3) نظام الملك، سياست نامه، ص 18 (مقدمة الدكتور غلام حسين يوسفي) .
(4) محبوبة، نظام الملك، ص 356.
(5) مقدسي، نشأة الكليات، ص 40.
(6) ورد عند الطرطوشي أنه أبو سعيد الصوفي والأصح أنه ابو سعد الصوفي وهو أول من لقب بشيخ الشيوخ، الذي تولى بناء أوقاف النظامية ببغداد، انظر ابن الجوزي، ج 9،ص 11، ابن الاثير،
ج 8، ص 450. وقد أجمعت كتب التراجم على أنه أبو سعد وليس ابا سعيد.