وهمذان وأصفهان وتعرض لعسكر الخليفة وأظهر طلب السلطنة والخطبة ببغداد سنة 594 هـ مما اضطر الخليفة الناصر إلى عقد تحالف آخر ضده فأرسل إلى غياث الدين ملك الغور و غزنة فحالفه، واستشرت عدوى التحالفات فأرسل خوارزم شاه إلى الخطا يحالفهم ضد ملك الغور [1] .
وهكذا كان توسع الخلافة شرقًا في العقد الأخير من القرن السادس الهجري قد ألجأ الخلافة إلى الدخول في تحالفات مع بعض أمراء المشرق ضد بعضهم الآخر للحفاظ على نوع من توزان القوى. وقد اتسمت تلك التحالفات بسرعة التبدل وكثرة المناورات السياسية والعسكرية، كل ذلك للدفاع عن استقلال الخلافة ولحماية مكتسباتها في المشرق. وهذه حال أملت على الناصر التوسع في إرسال السفارات والمبعوثين.
خلال فترة السلطنة السلجوقية في بغداد عانت الخلافة وأهل بغداد من تقلبات العلاقة مع أمراء الحلة [2] المزيديون. وكان المزيديون قبيلة عربية بدوية متشيّعة [3] ، وقد سعى المزيديون إلى إثبات وجودهم على مسرح الأحداث في فترات التنافس بين سلاطين السلاجقة وضعف الحكم المركزي في بغداد، ويبدو أن النزعة الطائفية كانت تشكل في كثير من الأحيان غطاءً لحقيقة العلاقة السياسية القائمة بينهم وبين الخلافة، الأمر الذي أدّى إلى توظيف العامة- من الطرفين أهل السنة و الشيعة - لأداء دور ما في هذه العلاقة، وكان شيعة بغداد يميلون إلى أمراء الحلة [4] ، الأمر الذي زاد من شعور الخلافة بالتهديد الذي يمثلونه.
ويبدو أن سلاطين السلاجقة أدركوا أن خشية الخليفة من تهديد أمراء الحلة كانت تلجئ الخليفة إلى السلطان طلبًا للحماية و بخاصة في ظل شروط السلاجقة على الخلافة بعدم تدوين العسكر [5] ، فلجًا السلاطين إلى توظيف هذا الحال لإبقاء الخليفة على حاله من التابعية لهم، ولذلك لم يسع السلاجقة جديًا إلى حلّ المشكلة بالقضاء على مصدر الخطر وإنما عملوا على إدارتها بحيث
(1) ابن الأثير، الكامل، ج 10، ص 252.
(2) الحلة: مدينة على جانب الفرات الغربي بناها سيف الدولة رئيس بني مزيد في نحو سنة 495 هـ، ومنها يمر طريق الحج من بغداد إلى الكوفة. لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية، ص 97 - 98.
(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 235 وما بعدها. ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 131.
(4) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 217 - 218، 243 - 245. ابن الاثير، الكامل، ج 9،ص 225.
(5) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 227، ج 10، ص 20.