وقد كانت أبرز المظاهر الشعبية للتشيع في بغداد الإعلان بشتم الصحابة رضوان الله عليهم كما حدث مثلًا في سنة 561 هـ [1] وسنة 571 هـ [2] وسنة 577 هـ [3] ، وكان ذلك يستفز أشد مشاعر العداء لدى أهل السنة، فتقع الفتن بين الفريقين.
وكان تشيع بعض رجال الدولة العباسية سببًا في ظهور الرفض وبالتالي الفتن المذهبية، فقد كان يزدن التركي (ت 568 هـ) احد كبار الأمراء الذين تحكموا في الدولة وانتشر بسببه الرفض [4] ، وانتشر الرفض أيضًا في زمن ابن الصاحب استاذ دار الخليفة الناصر (575 - 622 هـ) وقد بلغ ابن الصاحب من النفوذ والتحكم في الدولة حدًا لم يتجاسر معه أحد أن ينكر على الرافضة حتى أفضى الأمر إلى خروج بعض فقهاء بغداد منها كأستاذ النظامية رضي الدين القزويني [5] .
وكان من عادة الشيعة في يوم عاشوراء أن يهجروا الأسواق ويعلنوا بالنوح على أهل البيت والإنشاد لاسيما في ناحية المختارة ومحلة الكرخ [6] وكان ذلك من معاني ظهور التشيع في بغداد.
ويبدو أن الشيعة عمومًا تأثروا سلبيًا بزوال الخلافة الفاطمية بمصر على يد صلاح الدين الأيوبي سنة 567 هـ، قال ابن الجوزي:"وانكمد الروافض وكانت مصر يخطب لهم بها إلى هذا الأوان" [7] ، وبعد أربع سنوات أمر المستضيء (566 - 575 هـ) بتقوية يد ابن الجوزي ضد كل من ينتقص من الصحابة [8] .
لقد استمرت هذه العلاقة المتوترة في تاريخ بغداد ولكن التوتر كان محصورًا ومسيطرًا عليه من قبل السلطات الرسمية. وفيما يخص هذه العلاقة، لم تقتصر مخاوف الخلفاء العباسيين على مجرد الفتن الداخلية التي تستثيرها، بل تعدتها إلى مخاوفهم من أن توظف هذه العلاقة من قبل قوىً خارجية بهدف
(1) المصدر نفسه، ج 10، ص 217.
(2) المصدر نفسه، ج 10، ص 259.
(3) ابن الجوزي، شذور العقود، ص 313.
(4) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 242.
(5) ابن الجوزي، شذور العقود، ص 313. ابن شاهنشاه، مضمار الحقائق، ص 146 - 148.
(6) ابن شاهنشاه، مضمار الحقائق، ص 148.
(7) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 237.
(8) المصدر نفسه، ج 10، ص 259.