تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [1] ، وكما قال: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [2] . والإيمان بهذا لا يلغي مشيئة العبد وعمله كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، فالنصوص دالة على إثبات مشيئة العباد وفعلهم [3] . وبهذا يتبين أن العمل على تحديد جنس الجنين لا يتضمن منازعة للرب جل جلاله في مشيئته وخلقه وتصويره. ويوضح هذا ويجليه أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، بل هي مفتقرة لأمر الله تعالى، فتأثيره يكون بتقدير الله تعالى، فلو شاء لسلبها قواها فلم تؤثر شيئًا [4] . (( وليس شيء من الأسباب مستقلاًّ بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخرَ تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله كان وإن لم يشأ العباد وما لم يشأ لم يكن ولو شاء العباد ) ) [5] .
الثاني: أن العمل على تحديد جنس الجنين لا ينافي اختصاص الله تعالى بعلم ما في الأرحام. ويتبين هذا بما يلي:
1.أن العمل على تحديد جنس الجنين لا يعدو كونه أخذًا بسبب من الأسباب لإدراك غاية قد تحصل وقد لا تحصل كسائر أسباب المطالب والمرغوبات. فالوطء الذي هو سبب الحمل عمل يقوم به الزوجان لتحصيل الولد قد ينتج عنه الحمل وقد لا ينتج. فليس في ذلك ما ينفي اختصاص الله تعالى بعلم ما في الأرحام.
2.أنه في حال حصول النتيجة المطلوبة بتحديد جنس الجنين ليس في ذلك ما ينافي ما ذكره الله تعالى من اختصاص علمه بما في الأرحام، فإن الذي اختص به الله تعالى، هو العلم السابق للوجود، وكذا العلم التام بما في أرحام ذوات الأرحام من كل وجه، وكذا العلم بما يكون من حالهم وعملهم ومآلهم. فعلم جنس الجنين لا ينافي ذلك ولا يعارضه؛ لأن الله تعالى يُظْهِرُ عليه بعض خلقه إما بالإعلام؛ وإما بالتجربة والخبرة؛ وإما بغير ذلك من الوسائل والأسباب، وهو قطرة في بحر. وبيان ذلك أن جنس ما في أرحام إناث بني آدم يُعْلِمُ اللهُ تعالى به الملكَ الموكل بالرحم كما دلت على ذلك الأحاديث [6] . ومن أشهرها حديث ابن مسعود رضي الله عنه في بيان مراحل خلق الإنسان، ففيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الملك الموكل بالجنين عند خلقه: (( قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ) ) [7] . وكذا حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه ) ) [8] . كما أن علم جنس ما في أرحام إناث بني آدم ثبت أنه يمكن أن يكون بغير ذلك كالفراسة؛ والرؤيا وغيرهما. ومن شواهد ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه علم ما في بطن زوجته قبل وضعه؛ حيث قال لعائشة رضي الله عنها في مرض موته في قصة هبته إياها عشرين وسقًا من ماله بالغابة: (( إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا. فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك. وإنما هو اليوم مال وارث. وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة: فقلت: يا أبت، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو [9] في بطن بنت خارجة أُراها جارية ) ) [10] . قال القرافي معلقًا على ذلك في بيان عدم معارضته للآية: (( الذي اختص به الله تعالى هو علم هذه بغير سبب محصل للعلم والصدِّيق رضي الله عنه قيل علم ذلك بسبب منام رآه فلا
(1) الإنسان:30.
(2) الزُّمَر:62.
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 8/ 393، 459.
(4) فتح الباري 10/ 60.
(5) درء تعارض العقل والنقل 5/ 263.
(6) قال ابن كثير في تفسيره 3/ 454: (( وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه. ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه ) ).
(7) رواه مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي، رقم (2645) . وأصله في البخاري رقم (3208) دون هذه اللفظة.
(8) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب قول الله تعالى: {مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} ، رقم (318) .
(9) ذو بمعنى الذي في لغة طيء: فإما كرام موسرون لقيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
(10) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل، رقم (1474) .