فهرس الكتاب
لقد لقّبته قريش الأمينَ، وأجمع على ذلك عقلاؤها، ولو عَرَفَت أحد زعمائها بذلك لما ضنّت عليه بتلك الصفة، واختصّت بها محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - من دونه.
ووصفته زوجه العاقلة الحكيمة، خديجة رضي الله عنها، وقد عاشت معه خمس عشرة سنة قبل النبوّة، خبرت خلالها شخصيّته وأخلاقه، فقالت له أول عهده برسالة السماء، وقد داخله الخوف مما جرى معه:"كلا! والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحقّ".
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعفو عمّن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ولم يكن يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله تعالى لم يقم لغضبه شيء.
ولقد أوذي - صلى الله عليه وسلم - في الله تعالى أشدّ الإيذاء، فلم يدع على قومه، ولم يتطلّع إلى الانتقام منهم، وإنما كان يقول: (اللهمّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) .
وعندما ناله - صلى الله عليه وسلم - منهم أشدّ الأذى عُرض عليه عذابهم وهلاكهم، فقال: (لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئًا) .