ينظر كلّ مؤمن إلى حفظ القرآن الكريم أنّه نعمة من أعظم نعم الله تعالى على العبد، ويتمنّى أن يكرمه الله تعالى بها في أبنائه وبناته، لما فيها من الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة .. ومنذ جيل مضى كان الناس ينظرون إلى حفظ القرآن الكريم أنّه صنعة العميان للتلاوة في المآتم، وعلى المقابر .. وقد تطوّر هذا الأمر، ونظّم ليكون للمقرئين المحترفين طريقًا إلى الثراء الفاحش، تحجز فيه الأدوار، وتدفع المبالغ الطائلة، ويقدّم من يدفع أكثر، ويسعى الناس وراء الأصوات النديّة، والأنغام الموزونة ..
ثمّ كان من بركات صحوة الناس على دينهم، أن صحّح هذا المفهوم، ورُدّ للقرآن العظيم اعتباره، فأصبح الاهتمام بحفظ القرآن الكريم روحًا سارية في أبناء الأمّة، وأمنية عزيزة غالية، يتطلّع إليها الكبار والصغار، والرجال والنساء، ويرعاه المسئولون وولاة الأمور في كثير من البلاد الإسلاميّة بكلّ تأييد وعناية .. ولعمر الحقّ ذلك من أسرار قول الله تعالى: {إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ، وإنّا لهُ لحافِظُونَ (9) } الحجر.
ومع ذلك الاهتمام والحرص، ففي العالم الإسلاميّ اليوم ظواهر عديدة، لا تلتقي مع الاهتمام الحقّ بحفظ القرآن الكريم كما يريد الله تعالى، ولا تتناسب مع ثمراته المرجوّة:
ففي بعض البلاد الإسلاميّة لا يتعلّم الطالب في المدرسة النظاميّة إلاّ بعد أن يختم القرآن حفظًا من أوّله إلى آخره .. ثمّ تراه في مستقبل أيّامه إنسانًا آخر: قد نسي القرآن فلم يعد يذكر منه حرفًا، ولا ترى شيئًا من سلوكيّاته يلتقي مع القرآن ومبادئه .. فقد