الصفحة 116 من 265

(أذاعوا به) والمنصوب في (ردّوه) و (لعلمه) يَلْزَمُ أنْ يكونَ عائدًا على (الأمر) ؛ وذلك لأنَّ هؤلاءِ المنافقين المرجفين كانوا إذا وصلهم أو علموا شيئًا من أخبارِ سَرايا المسلمين, قالوا: أصابَ المسلمون منْ عدوِّهِم كذا وكذا, وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غيرِ أنْ يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو مَنْ أخبرَهم بِهِ، بل كانوا في أوقاتٍ كثيرةٍ يختلقون الأخبار أو يقلبون الأمور فيجعلون أخبارَ الأمنِ في موطنِ الخوفِ؛ ليرْكنَ المسلمون إلى ذلك ولا يأخذُوا حِذْرهم، فيباغتهم عدوهم. كما يذكرون أخبارَ الخوفِ إذا انتصرَ المسلمون على أعدائهم؛ ليُحْبِطوهُم وليَفْتروا عَزَائِمَهُم.

فالمنافقون بإفشائهم تلكَ الأمورِ - بِما فِيْها مِنْ أخبارِ الأمنِ أو الخوفِ - إنَّما كانُوا يَقْصِدُونَ مِنْها التشويشَ والتدليْسَ على المسلمينَ، وإضعاف عَزائِمِهُم.

-أمّا إذا كان الضميران عائدين على (ضَعَفَةَِ المؤمنين) ممَّن قلّت تجاربُهم وضَعُفَ جَلَدُهم - وهو محذوف دلّتْ عليه قرينة حال النزول [1] - وهذا قول الحسن [2] ، والزمخشري [3] , وهو الملائم لقوله: چ ? ? ? ? چ [4] ، فإنَّ ضميرَ المجرورِ في چک گچ يجوزُ أنْ يعودَ على الأمرِ وأنْ يعودَ على الأمنِ، أو الخوفِ خاصةً, إلاَّ أنَّ عَودَهُ على (الأمر) أرْجَحُ؛ إذ هو المُحدَّثُ عَنْهُ، وهو جَامِعٌ للأمنِ والخوفِ. يؤيِّدُ ذلِكَ تَوحِيْدُ مرجعِ الضَّمائرِ الثَّلاثةِ، وهذا أولى مِن تَفْرِيْقِها وتشتيتها.

-وإذا كان ضميرا المنصوب والمرفوع عائدين على أهل النفاق وضعفة المسلمين- كما ذكر الزجاج [5] ، ونقل ابن عطية [6] ، فهو كما في الوجه الثاني.

وقوله تعالى: {أَذَاعُوا بِهِ} , أي: أفشوه وسارَعُوا بِهِ، يقول ابن فارس: (( الذال والياء والعين أصلٌ يدلُّ على إظهار الشَّيء وظُهوره وانتشارِه. يقال ذاعَ الخبرُ وغيرُه يَذِيع ذُيوعًا. ورجلٌ مِذياعٌ: لا يكتُم سِرًّا ) ) [7] ، ويقول ابن منظور: (( الذَّيْعُ أَن يَشِيع الأَمرُ، يقال: أَذَعْناه فذاعَ وأَذَعْتُ الأَمرَ وأَذَعْتُ بهِ وأَذَعْتُ السِّرَّ إِذاعةً، إِذا أَفْشيْتُه وأَظهرتُه، وذاعَ الشيءُ والخبرُ يَذِيع ذَيْعًا وذيَعانًا وذُيوعًا وذَيْعوعةً، فَشا وانتشَر وأَذاعه وأَذاع بهِ، أَي: أَفشاه وأَذاعَ بالشيءِ، ذهَب بهِ ) ) [8] .

(1) - يُنظر: التحرير والتنوير م3 ج5/ 139.

(2) - يُنظر: البحر المحيط 3/ 318.

(3) - يُنظر: الكشاف 1/ 540 - 541.

(4) - يُنظر: التحرير والتنوير م3 ج5/ 139.

(5) - يُنظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 83.

(6) - يُنظر: المحرر الوجيز 2/ 84.

(7) - معجم مقاييس اللغة (ذَيعَ) 2/ 365.

(8) - لسان العرب (ذيع) 8/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت