الصفحة 117 من 265

وقد يعود الضمير على بعيدٍ، وفي الكلام ما هو أبعدُ منه، وهذا على نحو قوله تعالى: ... {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

فضميرُ المنصوبِ في: {جَعَلْنَاهُ} تقدمت عليه ثلاثة أسماء هي: (روحًا, والكتاب, والإيمان) ، ... وكلها تصلح أنْ تكون مرجعًا للضمير. إلاّ أنَّ جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الضمير عائد على (الكتاب) [1] ، أي: القرآن- وهو بالنسبة إلى (الإيمان) يُعدُّ مذكورًا بعيدًا-؛ لأنَّه المحدَّثُ عنْه وهو المقصود, إذْ بهِ تعرفُ الأحكامُ.

قال ابن جرير: (( {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا} يقول: لكنْ جعلنا هذا القرآنَ - وهو الكتابُ - نورًا, يعني: ضياءً للناسِ يسْتَضِيْئونَ بِضوْئِهِ الَّذي بيَّنَ اللهُ فيهِ, وهو بَيَانُه الذي بَيَّنَ فِيْهِ مِمَّا لهُم فيه - في العمل به - الرَّشَاد، ومن النَّار النَّجاة ) ) [2] .

وذهب بعضُهم إلى أنَّ الضميرَ في (جعلناه) راجعٌ إلى (الروح) [3] , وذهب آخرون إلى أنَّه عائدٌ على (الإيمان) [4] ؛ لقربه، وذهب غيرُهم إلى أنَّ الضميرَ عائد على القرآن والإيمان معًا، ووحِّد الضميرُ؛ لأنّ مقصودهما واحد [5] .

والوجه الأول هو الرَّاجِح للعلةِ المذكورةِ.

2 -وقد يعود الضمير على أبعد مذكور لدلالةِ المقام.

(1) - قاله ابن عباس (ينظر: تفسير ابن عباس 443) , واختاره ابن جرير (ينظر: جامع البيان 11/ 163) , وحكاه الماوردي عن السُّدِّي (ينظر: النكت والعيون 5/ 212) , واختاره ابن عطية (ينظر: المحرر الوجيز 5/ 44) , و ابن الجوزي (ينظر: زاد المسير ... 7/ 126) , والرازي (ينظر: التفسير الكبير م9 ج27/ 615) وأجازه البيضاوي (ينظر: أنوار التنزيل 2/ 367) .

(2) - جامع البيان11/ 163.

(3) - اختاره البقاعي (ينظر: نظم الدرر 17/ 363) , وأجازه البيضاوي (ينظر: أنوار التنزيل 2/ 367) , وبدأ به الآلوسي (ينظر: ... روح المعاني م13 ج25/ 60) .

(4) - حكاه الماوردي عن الضحاك و نقله عن النقاش (ينظر: النكت والعيون 5/ 213) , ونقله ابن الجوزي (ينظر: زاد المسير ... 7/ 126) وأجازه البيضاوي (ينظر: أنوار التنزيل 2/ 367) , وذكره الآلوسي (ينظر: روح المعاني م 13ج25/ 60) .

(5) - نقله الرازي (ينظر: التفسير الكبير م9ج27/ 615) , وأبو حيان (ينظر: البحر المحيط 7/ 505) , والآلوسي (ينظر: ... روح المعاني م13 ج 25/ 60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت