وَتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
وقد يكون تأنيثه؛ لأنَّه بمعنى (الشَّفة) .
هذا الوجهُ ذكرَهُ ابن جرير [1] , ونقله الزَّمخشري [2] , ورجَّحه أبو حيان, الذي قال: ... (( وأقول: لا يحسُن عودُهُ إلاّ على الشفا؛ لأنّ كينونتهم على(الشفا) هو أحدُ جزأي الإسنادِ, فالضميرُ لا يعودُ إلاّ عليه. وأمَّا ذِكْر (الحفرة) , فإنما جاءتْ على سبيلِ الإضافةِ إليها )) [3] .
وقال: (( أمّا ذِكْرُ النَّارِ فإنَّما جِيءَ بِها لِتخْصِيْصِ الحفرةِ, وليست أيضًا أحدَ جزأي الإسناد, ولا محدَّثًا عنْها, وأيضًا فالإنقاذُ مِنَ(الشَّفا) أبلغُ مِنَ الإنقاذِ مِنَ (الحفرةِ) ومن ... (النَّار) ؛ لأنَّ الإنقاذََ مِنْهُ يَسْتَلزِمُ الإنقاذََ مِنَ (الحفرةِ) ومنَ (النَّارِ) , والإنقاذُ منْهُما لا يَسْتلزِمُ الإنقاذََ مِنََ (الشَّفا) . فعودُهُ على (الشّفا) ، هو الظَّاهِرُ مِنْ حيثِ اللفظِ، ومِنْ حيثِ المعنى. ومُثِّلتْ حَياتُهم التي يُتَوقَّعُ بَعدَها الوقوعُ في (النَّارِ) بِالقُعُوْدِ على جَرْفِها مُشْفِيْنَ عَلى الوقُوْعِ فِيْها )) [4] .
رجَّحه كذلك السَّمينُ الحلبي [5] . أمّا ابن عطية فقد ردَّهُ قائلًا: (( وليسَ الأمرُ كَما ذُكرَ, والآيةُ لا يحتاجُ فيها إلى هذه الصِّناعةِ, إلاّ لو لمْ تَجِد معادًا للضمير, إلاّ(الشَّفا) , وأمّا ومَعَنا لفْظٌ مؤنَّثٌ يَعُودُ الضَّميرُ عَليهِِ، ويعْضُدهُ المعْنَى المُتَكلَّمُ فِيْهِ، فَلا يحتاجُ إلى تِلكَ الصِّناعةِ )) [6] . وكذلكَ ردَّهُ الآلوسي [7] .
تِلكَ هي الأقوالُ في عائدِ الضميرِ مِنْ قوله تعالى: {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} ، أمّا أضْعَفُها، فهو القولُ الثالثُ, وقَدْ تَكَفَّلَ ابنُ عطية [8] ، وأحمدُ بن المنير [9] بالرَّدِ عَلَيْهِ.
والوجهانِ- الأول، والثاني - متقاربان, إلاّ أنَّ المقامَ يُرَجِّحُ الوجهَ الأوَّلَ؛ وذلك لأنَّ الخطاب
(1) - ينظر: جامع البيان 3/ 384.
(2) - ينظر: الكشاف 1/ 395.
(3) - البحر المحيط 3/ 22.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - ينظر: الدر المصون 3/ 338.
(6) - المحرر الوجيز 1/ 485.
(7) - ينظر: روح المعاني م2 ج4/ 20.
(8) - ينظر: المحرر الوجيز 1/ 485.
(9) - ينظر: الانتصاف (بهامش الكشاف 1/ 2395) .