كما قيل: للأوسِ والخَزْرَجِ خاصةً [1] ، وقيل: للأمَّةِ عامةً [2] ، وفِيه تذكيرٌ لهم بِنِعَمِ اللهِ عليهم، التي أعْظَمُهَا نِعْمَةُ الإسلامِ، إذْ بهِ زالتِ العداوةُ والفرقةُ, وسادَتِ المَحَبَّةُ والألفَةُ وبهِ صاروا إخوانًا في الدين.
ثم يصور (عزَّ وجلَّ) حَالَهم حينَ كانُوا على وَشَكِ الهَلاكِ, فعبَّرَ عَنْهُ بِحالِ قَوْمٍ بَلغَ بِهِم المَشْيُ إلى شَفَا حُفْرةٍ مِنَ النَّار, وليسَ بَيْنَهم وبيْنَ الهَلاكِ, إلاّ خطوةٌ. فكانَ أنْ مَنَّ عَليْهم بِنِعْمةِ الأخُوَّةِ, ونِعْمَةِ الإيْمَانِ بَعْدَ الكفْرِ.
لذا يكون إرجاعُ الضميرِ إلى (الحفرة) أبلغُ؛ إذْ فِيْه تَصْوِيْرٌ للحالِ التي كانُوا صائرين إليْها بِكفرِهم وبِما بَيْنَهم من عداوةٍ وشقاقٍ, وهو كذلكَ مناسِبٌ لِمقامِ الامتِنانِ عليْهِم بِهاتين النِعْمتين.
3 -وقد يعود الضمير على الأبعد بدلالة السياق.
مثال هذا في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف:32 - 34] .
فالضميرُ في: {لَهُ ثَمَرٌ} يصلحُ (لأحدهما) ، و (للنخل) ، و (للزَّرع) ، ولا يصلحُ (للنهرِ) وإنْ كانَ أقربَ مذْكورٍ.
إلاّ أنَّ السياقَ يرجِّحُ عَوْدَ الضميرِ على أبْعد مذكورٍ وهو أحدُ الرجلين [3] بدليل قوله تعالى: ... {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} فحدَثَ ربطٌ بين الجملتين ليعود الضميران على مرجعٍ
واحدٍ، والمعنى: وكانَ لأحدِ الرجلين - وهو الرجل الكافر [4] - {ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ ... } .
(1) - حكى الماوردي أنَّ المخاطب في الآية الأوس والخزرج؛ لما كان بينهم من الحروب في الجاهليّة (ينظر: النكت والعيون1/ 414) . وقال الرّازي: (( فالآية إشارة إليهم، وإلى أحوالهم، فإنّهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضًا، ويبغضُ بعضهم بعضًا. فلمّا أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخوانًا متراحمين متناصحين، وصاروا إخوةً في الله ) ). (التفسير الكبيرم3 ج8/ 312) .
(2) - حكى الماوردي عن الحسن أنّ المخاطب مشركو العرب؛ لما كان بينهم من الصوائل قبل الإسلام (ينطر: النكت والعيون1/ 414) .
(3) - يُنظر: زاد المسير 5/ 103 , والبحر المحيط 6/ 119 , ونظم الدرر 12/ 58 , وروح المعاني م8 ج15/ 274, ... والبيان في روائع القرآن 1/ 340 , 2/ 37.
(4) - ينظر: زاد المسير5/ 103.