فضمير المجرور في {ذُنُوبِهِمُ} يعود على نائب الفاعل {الْمُجْرِمُونَ} [1] وهو متأخِّرٌ في اللفظِ. يقول الرازي: (( فالمراد: أنَّ اللهَ تعالى إذا عاقبَ المجرمين، فلا حاجةَ بهِ إلى أنْ يسألهم عن كيفيةِ ذنوبِهم وكميتها؛ لأنَّه تعالى عالمٌ بكلِّ المعلوماتِ فلا حاجةَ بهِ إلى السؤالِ ) ) [2] . والكلام على هذا القول مستأنَفٌ، وقال ابن عطيَّةَ: (( قالَ محمدُ بنُ كعب: هو كلامٌ متصلٌ بمعنى ما قبله، والضميرُ في(ذنوبهم) عائدٌ على من أُهلِكَ مِنَ القرونِ، أي: أهْلكوا ولمْ يُسألْ غيرهم بعدَهم عن ذنُوبِهم، أي: كلُّ واحدٍ إنَّما يُكلَّمُ ويُعاقبُ بحسبِ ما يخصُّهُ )) [3] .
على هذا القول يكون ضمير المجرور عائدًا على متقدِّمٍ هو (مَنْ) في قوله تعالى: {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} .
فالقراءة على ما لم يسمَ فاعله قراءة الجمهور [4] ، وهي المستشهد بها وقرأ أبو جعفر في روايته: (ولا تسأل) بالتَّاءِ والجزم، ونصب المجرمين، وقرأ ابن سيرين، وأبو العالية كذلك في (ولا تسأل) على النهي للمخاطب [5] . وعلى هذا الوجه يكون ضمير المجرور عائدًا على المفعول به (المجرمين) وهو متأخرٌ لفظًا؛ لأنَّ رتبة المفعول به متقدمة على رتبة المجرور [6] .
ومثله قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن:39] . فضميرُ المجرور في {عَنْ ذَنْبِهِ} يعود على نائبِ الفاعلِ {إِنْسٌ} وهو على نيةِ التقديم.
ومنه قول زهير [7] :
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاّ وَشِيْجُهُ ... وَيُغْرَسُ إلاّ فِي مَنَابِتِها النَّخْلُ
فالضمير متصل بالمجرور (منابتها) ، والمفسِّرُ نائبُ الفاعلِ (النخلُ) [8] .
(1) - يُنظر: معاني القرآن للفراء 2/ 311.
(2) - التفسير الكبير م 9 ج 25/ 16.
(3) - المحرر الوجيز 4/ 300.
(4) - يُنظر: التبيان 2/ 1026 والبحر المحيط 7/ 129 والدر المصون 8/ 695 وروح المعاني م 10 ج 20/ 121 ومعجم القراءات 7/ 73.
(5) - يُنظر: التبيان 2/ 1026 والبحر المحيط 7/ 129 والدر المصون 8/ 695 وروح المعاني م 10 ج 20/ 121 ومعجم القراءات 7/ 73.
(6) - يُنظر: المقتضب 4/ 102 وشرح الجمل لابن عصفور 2/ 10.
(7) - في ديوانه ص 107 والشعر والشعراء 1/ 140 والأغاني 4/ 312 وشرح التسهيل 2/ 66 وشرح التصريح 1/ 282 والبيت بلا نسبة في شرح التسهيل 2/ 224.
(8) - ينظر: شرح التسهيل 2/ 66 وشرح التصريح 1/ 282.