الصفحة 134 من 265

وجاء عليه قول المتنبي [1] :

كَأنَّها الشَّمْسُ يُعْيِي كَفَّ قَابِضِهِ ... شُعَاعُهَا وَيَرَاهُ الطَّرْفُ مُقْتَرِبًا

أي: يعيي شعاعُها كفَّ قابضهِ، وقُدمَ المفعولُ بهِ؛ لِئلا يعودَ الضميرُ على مُتَأَخِرٍ لَفْظًا ورتبةً.

وقد يكون الضمير المتصلِ بالفاعل المتأخِرِ عائدًا على اسم مجرور متقدِّمٍ في اللفظِ، وذلك نحو قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1] .

فضميرُ المجرورِ في (حِسَابُهُمْ) متصلٌ بالفاعلِ المتأخِرِ في اللفظِ، وهو عائدٌ على الاسم المجرور (للنَّاسِ) وقد جاءَ متقدِّمًا في اللفظِ، ولكنَّه متأخِرٌ في الرتبةِ عن الفاعلِ. وفي تأخيرِ الفاعلِ يقول البقاعي: (( وأخِّرَ الفاعلُ تهويلًا لتذهبَ النفسُ في تَعْيِِيْنِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ ) ) [2] . وقال الطاهر بن عاشور: (( وأصلُ النَّظمِ: اقتربَ للناسِ الحسابُ. وإنَّما نُظِمَ التَّركِيْبُ على هذا النَّظمِ بِأَنْ قُدِّمَ مَا يَدُلُّ على المضافِ إليهِ، وعُرِّفَ(النَّاس) تعريفَ الجنسِ؛ ليَحْصلَ ضربٌ مِنَ الإبْهَامِ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَه التَّبْيِيْنُ، ولِما في تقديمِ الجارِ والمجرورِ مِنَ الاهتمامِ بِأنَّ الاقترابَ للناسِ ليعلمَ السَّامِعُ أنَّ المرادَ تهديدُ المشركينَ لأنَّهم الذين يُكنَى عَنْهم بالناسِ كثيرًا في القرآنِ، وعندَ التَّقْدِيْمِ احْتِيْجَ إلى تقديرِ مضافٍ، فصارَ مثلَ: اقتربَ حِسابٌ للناسِ الحسابُ، وحُذِفَ المضافُ؛ لِدلالةِ مفسِّرِهِ عليهِ. وَلمَّا كَانَ الحسابُ حسابَ الناسِ المذكورينَ، جِيءَ بِضَمِيْرِ النَّاسِ ليَعُودَ إلى لفظِ النَّاسِ فَيَحْصلَ تَأكِيْدٌ آخرُ، وَهذا نَمَطٌ بَدِيْعٌ مِنْ نَسْجِ الكلامِ )) [3] .

2 -وقد يكونُ الضميرُ متصلًا بالمبتدأ وعائدًا على الخبرِ أو ملابِسهِ [4] .

وذلك نحو قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمَّد:24] .

يقول الأزهري: (( فأقفالها مبتدأ مؤخر و(على قُلوبٍ) خبرٌ مقدمٌ، ولا يجوز تأخيره لِئلا تَعودَ (الهاء) المتصلةُ بـ (أقفالها) على (قُلوبٍ) وهي متأخرةٌ في الرتبة؛ لأنَّها بعضُ متعلقِ الخبرِ، لأنَّ

(1) - في ديوانه 1/ 141 من قصيدة يمدح فيها المغيث بن علي بن بشر العجلي.

(2) - نظم الدرر 12/ 379.

(3) - التحرير والتنوير م 8 ج 17/ 9 - 10.

(4) - يُنظر: شرح التسهيل 1/ 289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت