أكثرُ الضميرِ أنْ يقعَ على حرفٍ واحدٍ كتاء (فعلت) والهاء والياء والكاف، أو على حرفين كنا المتكلمين [1] . وهو يحلُّ محلَّ كلمةٍ أو أكثر؛ طلبًا للخفةِ ورفعِ الالتباس. فلو قلتَ: (ذهبتُ إلى المكتبةِ المركزيّةِ، فاطّلعتُ على ما فيها من كتب) ، فإنَّ ضمير المجرور في (فيها) عائدٌ على المكتبة المركزيّة، وهذا الضمير المكوَّن من حرفٍ واحدٍ وضِعَ مكان كلمتين فأغنى عن إعادة الظَّاهر. وفي هذا تقليل في الكلام، وفي التقليل خِفّةٌ في اللفظِ.
أمّا رفع الالتباس، فلأنّكَ لو قلتَ: (ذهبتُ إلى المكتبةِ المركزيّةِ فاطّلعتُ على ما في المكتبةِ المركزيّةِ) ، لكان في هذا إلباسٌ في الكلام؛ لأنّه قد يُظنُّ أنّ المكتبةََ المركزية الثانية غير الأُولى فيبقى عائدُ الأولى مُنْتَظَرًا.
وذكر ابن جنِّي أنّ الضمائرَ يُؤتى بهِ طلبًا للخفَّةِ وزاولِ الشَِّك بِمكانِها [2] ، فقال: (( وذلك أنّكَ لو قلت:(زيدٌ ضربَ زيدًا) فجئتَ بعائدِه مظْهرًا مثله، في ذلك إلباسٌ، واسْتِثْقَالٌ. أمَّا الإلباس فلأنَّكَ إذا قلتَ: (زيدٌ ضربتُ زيْدًا) لم تأمن أنْ يُظنَّ أنَّ (زيدًا) الثاني غيرُ الأولِ، وأنَّ عائدَ الأولِ متوقَّعٌ ومتَرقَّبٌ. فإذا قلتَ: (زيدًا ضربتُه) عُلِمَ بالمضْمر أنَّ الضربَ إنّما وقع بزيْدٍ المذكور لا محالةَََ، وزال تعلُّقُ القلبِ لأجلهِ وسببه )) [3] . وقال: (( وأمَّا وجهُ الاسْتِخْفافِ؛ فلأنَّكَ إذا قلتَ:(العَبَيْثَران [4] شمِمْتُه) ، فجعلتَ موضعَ التسعةِ واحدًا، كان أمثلَ من أنْ تعيد التسعةَ كلَّها، فتقول: (العَبَيْثَران شمِمْتُ العَبَيْثَران) . )) [5] .
وقال السيوطي: (( وأصل وضع الضمير للاختصار ولهذا قام قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [6] مقام خمسة وعشرين كلمةً لو أتى بها مظهرةً ) ) [7] .
وجاء في البلاغة العربية (( أصلُ وضعِ الضمائرِ في اللغةِ إنَّما كانَ للاختصارِ والتَّقليلِ مِنْ
طولِ الكلامِ الذي يحْصُلُ بذكرِ الأسماءِ الظاهرةِ ابتداءً أو تكرارًا )) [8] .
(1) - ينظر: شرح التسهيل 1/ 162.
(2) - ينظر: الخصائص 2/ 193.
(3) -المصدر نفسه.
(4) - العبيثران نبات طيب الأكل طيب الرائحة (ينظر: لسان العرب 4/ 533 - عبثر) .
(5) - الخصائص 2/ 193.
(6) - الأحزاب35.
(7) - الإتقان 1/ 186.
(8) - البلاغة العربية 2/ 98.