وإذا كان الوجه الأول عليه أكثرُ الآراء، فالوجه الثاني يُعدُّ وجهًا قويًّا لجريانه على الظاهر، ولما فيه من التعظيم والتَّفخيم الحاصل من الإبهام ثُمَّ التَّفسير، يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} الذي يقول فيه الآلوسي: (( ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق، بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره، أي: والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار ) ) [1] .
أما ضمير المجرور المبدل منه الظاهر من نحو: (مررت به زيدٍ) ، فلم أجد من شواهد القرآن ما يجري عليه.
الموضع الثاني
أنْ يكونَ المفسَّرُ، المضمر في (نعم) أو (بئس) وما جرى مجراهما.
وذلك نحو قولهم: (نعم رجلًا زيدٌ) فإنّ فاعل (نعم) مضمر على شريطة التفسير, و (رجلًا) نكرةٌ منصوبةٌ على التمييز.
وقد اختلف النَّحويُون في هذا النوعِ من الإضمار، فكانت أقوالهم على النحو الآتي:
1 -ذهب جمهور النحويين إلى أن فاعل (نعم) في مثل (نعم رجلًا زيدٌ) مضمر, وهو لا يعود على شيء قبله, إنمّا يفسره التمييز بعده؛ ليحصل بالتّفسير بعد الإبهام وقع في النفوس؛ لتعلقِها
بمعرفة ما بعد الإبهام من بقية الكلام [2] .
كما نصّوا على عدم حذف هذا المفسّر؛ إذ ليس للمضمر ما يفسره غيره [3] , وألزموا أنْ يكونَ هذا المفسِّر نكرةً عامةً قابلةً لدخول (أل) ؛ لذا لا يُفسَّر بمثل ولا غير ولا أي [4] ، وهناك من جوّز حذف المفسِّر، إن فُهم المعنى [5] .
وقد وضع النَّحويون لهذا المضمر شروطًا، منها [6] :
(1) - روح المعاني م 2 ج 3/ 135.
(2) - يُنظر: الكتاب 2/ 175 والخصائص 1/ 395 - 396.
(3) - يُنظر: الكتاب 2/ 176.
(4) - يُنظر: معاني القرآن للفرّاء 1/ 57 وشرح التسهيل 2/ 346 والمساعد على تسهيل الفوائد 2/ 130.
(5) - يُنظر: شرح الجمل لابن عصفور 1/ 614 وشرح التسهيل 2/ 346.
(6) - يُنظر: شرح الكافية 4/ 240 - 241 وحاشية الصبان 3/ 46.