الصفحة 186 من 265

وذهب الفارسي إلى أنَّ فاعل (نعم) المضمر قد يُفسَّر بـ (من) كما يفسَّر الفاعل بما في ... (نعمّا) [1] . كما في قول الشَّاعر [2] :

فَنِعْمَ مَزْكَأ مَنْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُه ُ ... وَنِعْمَ مَنْ هُو فِي سِرٍّ وَإعْلانِ

فقد ذهب إلى أن فاعل (نعم) في الشطر الثاني مضمر و (مَنْ) نكرة مُفسِّرة له كما فُسر ... بـ (ما) في (نعما) [3] ، وذهب ابن مالك إلى أن (مَن) موصولة (فاعل) ، فلا يصحُّ كونها تمييزًا؛ لأنَّها غير صالحة لدخول الألف واللام [4] .

أمّا الأسباب التي دفعت النحويين إلى تجويز تأخر المفسِّر في هذا الموضع فثلاثةٌ:

-أولها: أنَّ مفسِّر هذا الضمير- وإنْ جاء متأخرًا - في حكم المتقدم؛ لأنَّه ُيؤتى به لتمييز الضمير وتفسيره مع عدم انفصالهِ عنه، فصار في حكم المتقدِّمِ. يقول أبو على الفارسي: (( ليكون هذا التَّفسير في تبيينه المضمر بمنزلةِ تقدُّم الذِّكرِ له ) ) [5] .

-والثاني: أنَّ هذا المضمر على شريطة التفسير جيء به مبهمًا لأجل التعظيم والتفخيم, ولو جاء مفسره متقدمًا، لزال الإبهامُ المقصودُ، فما عادَ المضمرُ يفيدُ التَّعظيمَ والتَّفْخِيْمَ. يقول ابن أبي الربيع: (( اعلم أنَّ هذا الإضمار أبلغ في المدح؛ لأنَّ العرب متى عظَّمتْ شيئًا أبهمته ثُمَّ فسَّرته، فقولهم:(نعم رجلًا زيدٌ) أمدح من قولهم: (نعم الرجُلُ زيدٌ) وهذا هو المقصود في ضمير الأمر والشَّأن؛ لأنَّهم قصدوا التعظيم للخبر فأضمروه لذلك )) [6] .

-والثالث: أنَّ الإضمار في نحو قولهم (نعم رجلًا زيدٌ) يُعدُّ ضرورةً؛ لِئلا يجتمعَ المفسِّرُ والمفسَّرُ في كلامٍ واحدٍ؛ فإنَّ ذلكَ ضعفٌ في التركيبِ, وإطالةٌ في الكلامِ من دونِ فائدةٍ.

ولأجل هذا أضمِرَ الفاعلُ فاستقامَ الكلامُ وخفَّ اللفظُ وصارَ مذكورًا مِنْ حيثُ المعْنى ... وَالمُفَسِّرُ فِي حُكْمِ المُتَقَدِّمِ.

(1) - يُنظر: إيضاح الشعر ص 417 ومغني اللبيب ص 433 - 434 , 569 , 571 , والمساعد على تسهيل الفوائد 1/ 166.

(2) - غير معروف والبيت في إيضاح الشعر ص 416 وشرح الجمل لابن عصفور 1/ 614 وشرح التسهيل 2/ 344 وشرح الكافيّة 4/ 245 ومغني اللبيب ص 433 و 569 و 571 والمساعد على تسهيل الفوائد 1/ 166 ولسان العرب 1/ 91 (زكأ) والمقاصد النحويّة 1/ 299 وهمع الهوامع 1/ 300، 3/ 25 وخزانة الأدب 9/ 413،416.

(3) - يُنظر: مغني اللبيب ص 571 والمساعد على تسهيل الفوائد 1/ 166.

(4) - يُنظر: شرح التسهيل 2/ 344.

(5) - الكافي في الإفصاح 3/ 683.

(6) - المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت