الصفحة 187 من 265

الموضع الثالث.

أنْ يكونَ المُفسَّرُ الضمير المُخْبَر عَنْهُ.

وهذا الضمير لا يتقدمه ما يفسِّره، وإنما يفسِّره الاسم الواقع خبرًا له، نحو قوله تعالى: ... {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام:29] , فضمير الغائب (هي) لم يتقدمه ما يفسِّره وإنَّما يفسره لفظ (حياتنا) الواقعة خبرًا [1] ، وقيل: هو ضمير الشأن، إلاّ أنَّ هذا القول يأباه البصريون؛ لأنَّ ضمير الشَّأن لا يخبر عنه إلاّ بجملة مصرَّح بجزأيها [2] ، وأجازه الكوفيون [3] ، واشترط الفرَّاء أن يكون المفرد في معنى الجملة [4] . ومثله قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] يقول الزمخشري: (( هذا ضمير لا يُعلم ما يعنى به إلاّ بما يتلوه من بيانه، وأصله(إنِِ الحياةُ إلاّ حياتُنا الدنيا) ، ثم وضع (هي) موضع الحياة؛ لأنَّ الخبرَ يدلُّ عليها وَيُبَينها )) [5] . وعدَّ منه قولهم: (هي النفس تتحمل ما حُمّلت) ، (وهي العرب تقول ما شاءت) [6] . وقد وافقه ابن مالك في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} إلاّ أنَّه خالفه في قولهم (هي النفس) و (هي العرب) لإمكان جعل النَّفس والعرب بدلين من الضمير، والخبر (تتحمل) و (تقول) [7] .

ووافق ابنُ هشام الزمخشريَّ فقال: (( وفي كلام ابن مالك أيضًا ضعفٌ، لإمكان وجه ثالثٍ في المثالين لم يذكره، وهو كون(هي) ضمير القصَّة، فإنْ أراد الزمخشري أنَّ المثالين يمكن حملهما على ذلكَ، لا أنَّه متعين فيهما، فالضَّعفُ في كلام ابن مالك وحده )) [8] .

وقول ابن هشام إن صحّ في المثالين لم يصح في الآية؛ لكون الخبر مفردًا.

أمّا أبو حيان فقد ذهب إلى أن كلام الزمخشري لا ينصُّ صراحةً على أنَّ هذا الضمير مما

(1) - يُنظر: البحر المحيط 4/ 109 وأنوار التنزيل 1/ 289 وروح المعاني م 4 ج 7/ 130.

(2) - يُنظر: روح المعاني م 4 ج 7/ 131.

(3) - يُنظر: مغني اللبيب ص 637.

(4) - يُنظر: شرح الكافية 3/ 70.

(5) - الكشاف 3/ 187.

(6) - يُنظر: المصدر نفسه.

(7) - يُنظر: شرح التسهيل 1/ 159 ومغني اللبيب ص 636 , والتذييل والتكميل 2/ 269.

(8) - مغني اللبيب ص 636.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت