أمّا الفرّاء، فذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور، إلا أنَّه أجاز وجهًا آخر وهو أنْ يكون اسم كان قوله: (بين ذلك) ، فقال: (( في القوام وجهان: إنْ شئت نصبت القوام بضمير اسمٍ في(كان) يكون ذلك الاسم من الإنفاق، أي: وكان الإنفاق (قوامًا بين ذلك) كقولك: عدلًا بين ذلك، أي: بين الإسراف والإقتار. وإنْ شئت جعلت (بين) في معنى رفعٍ؛ كما تقول: كان دون هذا كافيًا لك، تريد: أقلُّ من هذا كان كافيًا لك، وتجعل (وكان بين ذلك) كان الوسط من ذلك قوامًا )) [1] .
وردّ الزمخشري قولَ الفرّاء، فقال: (( هو من جهةِ الإعرابِ لا بأسَ بهِ، ولكنَّ المعنى ليسَ بقويٍّ؛ لأنَّ ما بين الإسراف والتقتير قوامٌ لا محالةَ، فليسَ في الخبرِ الذي هو معتمدُ الفائدةِ، فائدةٌ ) ) [2] .
ومن الشواهدِ الشِّعريَّةِ علي المصدرِ المدلولِ عليهِ بالفعلِ، قوله [3] :
هَذا سُرَاقةُُ لِلقرْآنِ يَدْرُسُهُ ... والْمُرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ
فالهاء في (يدْرُسُهُ) لا تعودُ على القْرآنِ، وَإنَّما هِي عَائدةٌ عَلى مَضْمُونِ عَامِلِهِ، وهو ... (الدَّرْسُ) المَحْذُوْفُ [4] . يقول أبو البقاء: (( فالهاء ضمير الدرس لا مفعول؛ لأنَّ يدرس قد تعدَّى إلى القرآن ) ) [5] ، أي: يدرسُ الدَّرسَ، دلَّ عليهِ الفعلُ المُتَضَمِّنُ لَهُ.
ومثله قوله [6] :
وَإِذَا سُِئلْتَ الْخَيْرَ فَاعْلَمْ أنَّهَا ... حُسْنَى تُخَصُّ بِهَا مِنَ الرَّحْمَنِ
(1) - معاني القرآن للفراء 2/ 272 - 273.
(2) - الكشاف 3/ 293.
(3) - غير معروف والبيت بلا نسبة في الكتاب 3/ 67 والأصول في النحو 2/ 193 والتبيان 1/ 517 وشرح الكافيّة 1/ 273 و 3/ 11 وارتشاف الضرب 3/ 1356 ولسان العرب 10/ 157 (سرق) وشرح التصريح 1/ 326 وخزانة الأدب 2/ 3،5/ 223، 8/ 455، 9/ 51،64،548.
(4) - ينظر: شرح الكافية 1/ 274 و 3/ 11 وشرح التصريح 1/ 327.
(5) - التبيان 1/ 517.
(6) - غير معروف والبيت في شرح التسهيل 1/ 154 والتذييل والتكميل 2/ 254.