تلك هي الأقوال في ضمير المنصوب في قوله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} ، وإنْ كانت تلك الأقوالُ متقاربةً في الصِّحَّةِ، فإنَّ الوجه الثاني- وهو الذي ذهبَ إليه ابن مالك- أرجحها، ورجحانه من وجوهِ:
الأول أنَّ المكنوزات أعمُّ، والمراد في الآية أعمُّ من الذَهب والفضةِ ومن غيرهما.
والثاني: أنَّ الكنز في اللغةِ الضّم والجمع [1] ؛ فهو ليس خاصًّا بالذّهبِ والفضةِ، بل هو عامٌّ لأصنافِ ما يكنز.
والثالث: أنَّ هذا القول يجري على ظاهِر اللفظِ، والمعني يقتضيه.
والرابع: أنَّ دلالة الجزء على الكلِّ - في هذا الموضعِ - أوضح من دلالةِ المصدرِ.
وفي قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة:35] ، فضميرا المجرور في (عليها) و (بها) عائدان على ما عاد عليه ضمير المنصوب في قوله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [2] .
ومثله قول الشاعر [3] :
وَلَو حَلَفَتْ بَيْنَ الْصَّفا أُمُّ مَعْمَرٍ ... وَمَرْوَتِهَا بِاللهِ بَرَّتْ يَمِيْنُهَا
فضميرُ المجرورِ في (مروتها) عائدٌ على (مكّة) المدلولِ عليها (بالصّفا) ، فكان ذكرُ الجزءِ مُغنيًا عن ذِكْرِ الكل [4] .
وقد ردّ أبو حيّان هذا بقوله: (( ولا يتعيَّنُ هذا؛ إذ يحتملُ أنْ يعودَ الضميرُ على(الصّفا) على معنى الصّخْرةِ؛ لأنَّهما مشتركان في معنى الطَّواف بهما، فهما طرفان يُنْتهى في الطواف إليهما، والإضافةُ تكون بأدْنى ملابسةٍ )) [5] .
(1) - ينظر: لسان العرب 5/ 401 - 402 وجامع البيان 6/ 361 والتفسير الكبيرم 6 ج 16/ 35.
(2) - ينظر: التحرير والتنوير م 6 ج 10/ 179.
(3) - البيت: بلا نسبة في شرح التسهيل 1/ 154 والتذييل والتكميل 2/ 255 والدر المصون 6/ 42.
(4) - ينظر: شرح التسهيل 1/ 154.
(5) - التذييل والتكميل 2/ 255.