والآخر: ما ذهب إليه أبو حيّان، وهو أنَّ هذا الضميرَ لا يعودُ على محذوفٍ، وإنَّما يعود على مذْكُورٍ مصرَّحٍ به، فهو عائدٌ على الأهلِ [1] في قولها: { .... قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] ، قال: (( ولمّا كنّتْ عن نفسها بقوله:(بأهْلك) ، ولم تقل: بي، كنَّي هو عنها بضمير الغيْبة، في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي} ولم يخاطبها بقوله: أنْتِ راودتني، ولا أشار إليها بقوله: (هذهِ راودتني) ، وكل هذا على سبيلِ الأدبِ في الألفاظِ والاستحياءِ من الخطابِ الذي لا يليقُ بالأنبياءِ، فأبرزَ الاسمَ في صورةِ الضميرِ الغائبِ تأدُّبًا مع العزيزِ وحياءً مِنه )) [2] .
وجاء في البحر المحيط: (( وأتى بضمير الغيْبةِ؛ إذْ كانَ غلَبَ عليه الحياءُ أنْ يشيرَ إليها، ويُعيِّنها بالإشارةِ فيقول:(هذهِ راودتْني، أو تلك راودتْني) ؛ لأنَّ في المواجهة بالقبحِ ما ليسَ في الغيْبَةِ )) [3] .
وقد ذُكِر أنَّ السِّرج البلقِيني رجَّح مذْهب ابن مالك، وذلك في رسالته المسمَّاة (نشر العبير لطيِّ الضمير) [4] ، فقال: (( وعندي أنَّ الذي قاله ابنُ مالك أرجحُ مما قاله شيخنا- رحمهما الله تعالى-؛ وذلك أنَّ الاثنين إذا وقعتْ بينهما خصومةٌ عند حاكم، فيقولُ المُدَّعِي للحاكم: لي على هذا كذا، فيقول المدَّعَى عليه: هو يعلم أنَّه لا حقَّ له عليَّ. فالضمير في(هو) إنَّما هو لحضورِ مدلولهِ حسًّا لا لقوله: (لي) هذا هو المتبادر إلى الأفهام دون ما قالَ شَيْخُنا )) [5] .
وكذلك ذهب ابن مالك في ضميرِ المنصوبِ في قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26] .
فالضمير في قوله: (اسْتَاجِرْهُ) عائدٌ على محذوف مستغنًى عنه؛ لحضور مدلوله حسًّا [6] ، وقد تعقبه أبو حيّان، فذهب إلى أنَّ الضمير عائدٌ على (موسى) ، فمفسِّره مصرّحٌ بلفظه [7] .
(1) - ينظر: ارتشاف الضّرب 2/ 941 وحاشية يس على شرح التصريح 1/ 96 وروح المعاني م 6 ج 12/ 219.
(2) - التذييل والتكميل 2/ 253.
(3) - البحر المحيط 5/ 297.
(4) - ينظر: حاشية يس على شرح التصريح 1/ 96 وروح المعاني م 6 ج 12/ 219.
(5) - حاشية يس على شرح التصريح 1/ 96.
(6) - ينظر: تسهيل الفوائد 1/ 153.
(7) - ينظر: التذييل والتكميل 2/ 253 وحاشية يس على شرح التصريح 1/ 96.