الصفحة 240 من 265

وردَّ عليه السّراجِ البَلقِيْنِي ردَّه في ضمير (هي راودتني) ، فقال: (( وهذا الذي قاله شيخنا متعقَّبٌ؛ فإنَّ(موسى) لم يسبق له ذكرٌ عند حضوره مع بنت شعيب، وقد قالتْ: (ياأبتِ استأجره) ، وقصدها بالضمير الرّجل الحاضِر الذي بان لها من قوتِهِ وأمانتهِ الأمرُ العظيم، قال شيخُنا: وكأنَّ ابن مالك تخيّلَ أنَّ هذا موضِعُ إشارةٍ؛ لكون صاحبِ الضمير حاضرًا عند المخاطبِ، فاعتقد أنَّ المفسِّر يُستغنى عنه بحضورِ مدلوله حسًّا فجرى الضمير مجرى اسم الإشارةِ، والتحقيق ما ذكرناه - هذا كلام شيخِنا، ونحنُ نقول: بل التحقيق ما قرره ابن مالك؛ وذلك أنَّ من خاصَمَ زوجتَهُ، فقال للحاضرين من أهْلِها أو من غيْرهم: هي طالقٌ، فإنَّها تطلق؛ لوجودِ ما قرره الشيخُ ابنُ مالك، ولا يتمشَّى ذلك على ما قرره شيْخُُنا؛ لأنّه وإنْ أمْكنه التَّأويلُ في الآيتين المذكورتين، فلا يتمشّى معه في غيْرِهما )) [1] .

تلك هي الأقوال في ضمير (هي راودتني) وضمير (استأجره) ، وما ذهب إليه ابن مالك هو الرَّاجح؛ لِمَا تقرَّرَ عند السِّراج ِالبلقيني.

ومثله في قوله تعالى: { ... وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ... } [يوسف:26] ، فضميرُ المجرورِ في (أهْلها) عائدٌ على زوجةِ العزيز، ولم يسبق لها ذِكرٌ؛ لكون المفسِّر مدلولًا عليه حِسًّا [2] .

2 -المفسِّرُ الذي يدل عليه الحال، والمقام

وقد مثّل له عباس حسن، فقال: (( كأنْ تجلس في قطار، ومعك أمْتعةُ السفر، ثُمَّ تقول: يجب أنْ يتحرّكَ في ميعادهِ. فالضمير(هو) - فاعل المضارع: (يتحرَّك) - والضمير (الهاء) ، لم يسبقْهما مرجعٌ لفْظِي، وإنَّما سبقَهما في النَّفسِِ ما يدلُّ على أنَّه القطار. وقد فُهِمَ من الحالةِ المحيْطةِ بكَ، المناسبة لكلامكَ، وهذهِ الحالةُ التي تدلُّ على المرجع من غيْرِ ألْفاظٍ تسمَّى: (القرينة المعنويّة) أو (المقام) . )) [3] .

والشواهد القرآنيَّةِ على حذفِ المفسِّر لدلالةِ الحال والمقام كثِيْرةٌ، ومنها:

(1) - حاشية يس على شرح التصريح 1/ 96.

(2) - يُنظر: معاني النحو 1/ 57.

(3) - النحو الوافي 1/ 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت