قال الطَّاهر بن عاشور: (( وضمير:(قال) عائد إلى معلوم من المقام، أي: قال اللَّهُ تعالى بقرينة قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا} ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قُلنا، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتًا، نكتتُه تحويلُ مقامِ الكلامِ؛ إذ كان المقامُ مقامَ أمرٍ للملائكةِ ومنْ في زمرتهم فصارَ مقامَ توبيخ ٍلإبليسَ خاصةً )) [1] .
ونظيره في قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف:13] ، فضمير المجرور في {مِنْهَا} و {فِيهَا} لم يتقدَّم له مفسِّر يعود عليه إلاّ ما يُفهم من المقام.
وكان النحويون والمفسرون قد اختلفوا في (الهاء) - في الموضعين-، فكانت أقوالُهم على النّحو الآتي:
أ- قيل: الضمير عائدٌ على (الجنّةِ) ؛ لأنَّ إبليس كانَ من سكانِها.
وهذا الوجه قاله ابن جرير [2] والواحدي [3] ، واختاره البغوي [4] وأبو السعود، الذي قال: (( والإضمار قبل ذكرها؛ لشهرةِ كونه من سكانها ) ) [5] ، ونسبه ابن الجوزي إلى السُّدّي [6] ، ونسبه الرازي [7] وأبو حيّان إلى ابن عبّاس [8] ، ونقله الماوردي [9] ، والشوكاني [10] ، والآلوسي [11] .
ب- وقيل: الضمير عائدٌ على (السّماء) .
وهذا الوجه اختاره الزمخشري، الذي قال: (( {فَاهْبِطْ مِنْهَا} من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكةِ، إلى الأرض الّتي هي مقرُّ العاصين المتكبِّرين من الثَّقلين ) ) [12] .
(1) - التحرير والتنوير م 5 ج 8 قسم 2/ 39.
(2) - ينظر: جامع البيان 5/ 441.
(3) - ينظر: الوجيز 1/ 388.
(4) - ينظر: معالم التنزيل 2/ 151.
(5) - إرشاد العقل السليم 3/ 217.
(6) - ينظر: زاد المسير 3/ 134.
(7) - ينظر: التفسير الكبير م 5 ج 14/ 210.
(8) - ينظر: البحر المحيط 4/ 274.
(9) - ينظر: النكت والعيون 2/ 204.
(10) - ينظر: فتح القدير 2/ 192.
(11) - ينظر: روح المعاني م 4 ج 8/ 90.
(12) - الكشّاف 2/ 90.