وإذا أمكن في الضميرِ مراعاة اللفظِ، ومراعاة على المعنى، بُدئ باللفظِ [1] . يقول ابن عصفور: (( فإذا حملتَ على اللفظِ وعلى المعنى في كلامٍ واحدٍ فالأحسنُ أنْ تقدِّم الحمل على اللفظِ، ثُمَّ بعد ذلك على المعنى ) ) [2] . وذلك في نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] ، فقد حُمل الضمير في (عمل) على لفظِ (من) فجاء مفردًا، ثُمَّ حمل على معناها في قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} فجاء الضميرُ مجموعًا [3] .ومثله قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف:4] ، يقول الطاهر بن عاشور: (( وأُجْرِيَ الضّميران في قوله: {أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} على الإفراد والتّأنيث مراعاةً للفظِ قرية، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متّصلِ القربِ، ثمّ أجريتْ ضمائرُ القريةِ على صيغةِ الجمعِ في الجملةِ المفرعةِ عن الأولى في قوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ} إلخ؛ لحصول الفصلِ بين الضّميرِ، ولفظِ معادِهِ بجملةٍ فيها ضميرٌ معادُه غيرُ لفظِ القريةِ، وهو {بَأْسُنَا بَيَاتًا} ، لأنّ {بَيَاتًا} متحمّل لضمير البأس، أي: مبيِّتًا لهم، وانتقل منه إلى ضمير القريةِ باعتبارِ أهلها فقال: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ} . )) [4] .
ومنه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] .
وقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة:17] . جاء الضمير مفردًا في {اسْتَوْقَدَ} وفي {مَا حَوْلَهُ} ... حملًا
(1) - ينظر: الإتقان1/ 188.
(2) - شرح الجمل 1/ 191.
(3) - ينظر: المحرر الوجيز1/ 158 والبحر المحيط1/ 405 و4/ 234.
(4) - التحرير والتنوير م5ج8 قسم2/ 19.