الصفحة 33 من 265

حملَ أولًا على التذكيرِ، ثمَّ ثانيًا على التأنيثِ، وإذا احتملَ هذا الوجهُ- وهو الراجح- لم يكن دليلًا على أنَّه بدأ بالحملِ على التأنيثِ أولًا، ثمَّ بالحملِ على اللفظ )) [1] .

وإذا حُمِلَ على المعنى بعدَ الحملِ على اللفظِ، ضَعُفَ العودُ إلى اللفظِ، يقول ابن جني: (( واعلم أنَّ العربَ إذا حملتْ على المعنى لمْ تكدْ تراجع اللفظَ ) ) [2] .

أمَّا قوله [3] :

ِكلاهُما حِيْنَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما ... قَدْ أقْلَعَا وَكِلا أَنْفَيْهِمَا رَابِي

فقد ذهب ابن جنِّي إلى أنَّه ليسَ من بابِ معاودةِ الحملِ على اللفظِ بعد الحملِ على المعنى؛ لأنَّ الضميرَ في (رابٍ) ليسَ عائدًا على (كلا) الأولى؛ فهو لمْ يقلْ: كلاهُما قدْ أقلعا، وأنْفُه رابٍ، ولكنه قَدْ أعادَهُ على (كِلا) أُخْرَى غير الأولى [4] .

ومَّما حُمِلَ على اللفظِ بعد اعتبار المعنى، قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:6 - 7] . يقول أبو حيّان: (( بدأ أولًا بالحمل على اللفظ، فأفردَ في قوله:(من يشتري) ، (وليضل) ، (ويتخذها) ، ثم جمع على الضميرِ في قوله: (أولئك لهم) ، ثُمَّ حملَ على اللفظِ، فأفردَ في قوله: (وإذا تتلى) إلى آخره )) [5] .

وقال الآلوسي: (((وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ) ، ففي الآيةِ مراعاةُ اللفظِ، ثُمَّ مراعاةُ المعنى، ُثمَّ مراعاةُ اللفظِ. ونظيرُها في ذلك قوله تعالى في سورة الطلاق: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ} الآية [6] ، قال أبو حيان: ولا نعلم جاء في القرآن ما حُمِلَ على اللفظِ، ثُمَّ على المعنى، ثُمَّ على اللفظِ غير هاتين الآيتين، وقال الخفاجِيّ: ليسَ كذلكَ، فإنَّ لها نظائرَ )) [7] .

وجاء في سورة الطلاق، قوله تعالى: ... رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

(1) - المصدر نفسه.

(2) - الخصائص2/ 420.

(3) - الفرزدق في الخصائص 3/ 314 وتخليص الشواهد ص66 وشرح التصريح 2/ 43 وليس في ديوانه، وهو للفرزدق أو جرير في لسان العرب (سكف) 9/ 156، وبلا نسبةٍ في الخصائص2/ 421 وشرح شواهد الإيضاح ص171 والإنصاف 2/ 447 وشرح المفصَّل لابن يعيش 1/ 159 واللباب 1/ 400 وشرح التسهيل 1/ 70 و3/ 111 ومغني اللبيب ص269 وهمع الهوامع 1/ 138 والدرر1/ 122.

(4) - ينظر: الخصائص2/ 421.

(5) - البحر المحيط7/ 180.

(6) - الطلاق الآية 11.

(7) - روح المعاني م11ج21/ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت