والقول الأول أظهر؛ لجريانِهِ على الأصلِ والسِّياقُ يؤيِّدُه.
2 -وقد يترجَّح عود الضمير على أقربِ مذكورٍ لأنَّه المحدَّث عنه.
وذلك نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} ... [الجن: 6] . فقد اختلِفَ في ضمير المرفوع في قوله: {فَزَادُوهُمْ} علامَ يعود؟
أ- فقيل: إنَّ الضمير عائد على (رجال من الجن) ؛ إذ هم المحدَّث عنهم، وهم أقرب مذكور، أي: الجن زادت الإنسَ مخافةً وفرقًا.
وهذا القول اختاره الرازي [1] ،وأبو حيان [2] الذي نسبه إلى قتادة، وأبي العالية، والربيع، وابن زيد [3] .
ب- وقيل: إنّ الضمير عائدٌ على (رجال من الإنسَ) ، والمعنى: أن الأنس زادت الجن طغيانًا، وإثمًا، وكفرًا بعبادتهم إياهم. وهذا اختاره الزمخشري [4] ، والبيضاوي [5] ، والبقاعي [6] ، والآلوسي [7] ، ونسبه أبو حيان إلى مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير [8] .
ونظير هذا قوله تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] .
فقد اختلف في ضميرِ المجرورِ في (قومه) على من يعود:
أ- فقيل: الضمير عائد على أقرب مذكور إليه وهو (موسى) ؛ لأنه المحدث عنه، والمعنى: أنَّ فريقًا أدركهم موسى ولم يؤمنوا به وإنما آمن ذريتهم بعد هلاكهم لطول الزمان.
(1) - يُنظر: التفسير الكبيرم 10 ج 30/ 668.
(2) - ينظر: البحر المحيط 8/ 341.
(3) - يُنظر: المصدر نفسه.
(4) - يُنظر: الكشاف 4/ 624.
(5) - يُنظر: أنوار التنزيل 2/ 534.
(6) - يُنظر: نظم الدرر 20/ 472 - 473.
(7) - يُنظر: روح المعاني م 15 ج 29/ 106.
(8) - يُنظر: البحر المحيط 8/ 341.