ب- وذهب الزمخشري إلى أن الضمير لليوم، فقال: (( والضمير لليوم، أي: يومَ القيامة حين تجد كلُّ نفس ٍ خيرها وشرَّها حاضرين, تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم - وهو له- أمدًا بعيدًا ) ) [1] .
وهذا الوجه اختاره الآلوسي، الذي قال: (( قيل:(الضمير لِما عملت) ؛ لقربه، ولأنَّ اليومَ أحْضِرَ فيه الخيرُ والشَّرُ، والمُتَمنَّى بُعد الشَّرِ، لا ما فيه مطلقًا، فلا يحسن إرجاع الضمير اليوم وإلى هذا ذهب في البحر، ورد بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء )) [2] وردّه أبو حيّان الذي قال: (( وأبْعدَ الزّمخشري في عوده على اليوم؛ لأنَّ أحد القسمين اللذين أحْضِرا له في ذلك اليوم، هو الخير الذي عمله ولا يطلب تباعد وقت إحضارِ الخيرِ إلا بتجوّز إذا كان يشتمل على إحضار الخير والشّرِ، فتودُّ تباعده؛ لتسلم من الشّر ودعه لا يحصل له الخير، والأولى: عوده على(مَا عملتْ من السُّوء) ؛ لأنَّه أقرب مذكور، لأنّ المعنى: أنَّ السوء يتمنَّى في ذلك اليوم التباعد منه )) [3] .
والوجه الأول أرجح؛ لجريانه على الأصل، ولأنَّ المعنى يقتضيه.
6 -ويَتَرجَّح عود الضمير على أقرب مذكور إذا لم يكن هناك ما يُرجِّح كونَه لأحدهما, ... وكانا مستويين في المعنى, فيكون عوده على الأقرب أولى.
ومثاله في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2] .فقد اخْتُلِفَ في ضميرِ المنصوبِ في (وَجَعَلْنَاهُ) على من يعود:
أ- فذهب الرازي [4] ، والبقاعي [5] إلى أنَّ الضميرَ عائدٌ على (الكتابِ) ، المراد به التوراة، وهو أقرب مذكور، وبدأ بهذا القول القرطبي [6] ، ورجّحه وأبو حيان [7] ، والسمين الحلبي [8] ، والآلوسي [9] .
(1) - الكشاف 1/ 352.
(2) - روح المعاني م 2 ج 3/ 127.
(3) - البحر المحيط 2/ 445.
(4) - ينظر: التفسير الكبير م 7 ج 20/ 297.
(5) - ينظر: نظم الدرر 11/ 300.
(6) - ينظر: الجامع لأحكام القرآن م 5 ج 10/ 212.
(7) - ينظر: البحر المحيط 6/ 7.
(8) - ينظر: الدر المصون 7/ 309.
(9) - ينظر: روح المعاني م 8 ج 15/ 14.