الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] , أي: ليفتدوا بذلك المذكور. وهذا الوجه رجَّحهُ الطَّاهِر بنُ عاشُور [1] .
والوجه من هذه الأقوال هو الأول؛ لأنَّ المحدَّثَ عنْهُ إنَّما هو (الخنزير) . وعودُ الضَّميرِ عليه يكون وافِيًا بالمقصودِ من تحريمٍ له، ولكلِّ ما يُنْتَفعُ بِهِ مِنْهُ. وإنْ عاد على (لحم) ، لم يكن في الآيةِ تحريم لِما سِوى اللحم.
أمَّا الوجهُ الثالثُ: فَيُضعِفُهُ، أنَّ الميتةَ والدَّمَ ليستا مقصودتين بالحكم؛ وذلك لأن العرب إنَّما كانت تأكل (الخنزير) في كل الأوقاتِ, أمّا الميتةَ والدَّمَ، فما كانت العرب تأكلهما إلاّ عند الضَّرُورةِ؛ فلهذا كانَ الحكمُ خَاصًا بالخِنْزِيْرِ. وفيه تأنيسٌ للمسلمينَ بتحْرْيمِهِ [2] .
ونظير هذا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] . فضميرُ المنصوبِ ِفي (فَاجْتَنِبُوه) قيل فيه:
أ- إنّه عائدٌ على الرِّجسِ، المُخْبرِ بهِ عَنِ الأرْبَعَةِ المذْكُورَةِ في قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ} ,أي: فاجتنبوا الرِّجْسَ. وقوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} في موضع نعت ... لـ (رجس) .
وهذا الوجه رجّحه أبو حيان [3] ، والسمين الحلبي الذي قال: (( الأحسن أن هذه الأشياء جعلت نفس الرجسِ مبالغةً ) ) [4] . وبدأ به الرَّازي [5] ، والبيضاوي [6] ، والآلوسي [7] .
ب- وقيل: الضميرُ عائدٌ على (مضاف) محذوف، والتقدير: إنَّما شأنُ الخمرِ والميسر، ... أو تعاطيهما. قاله الزَّمخْشري [8] ، وقال أبو البقاء: (( والتقدير: رجسٌ من جنسِ عملِ الشَّيْطانِ ) ) [9] .
(1) - ينظر: التحرير والتنوير م 5 ج 8/ 139.
(2) - ينظر: التحرير والتنوير م 5 ج 8/ 139.
(3) - ينظر: البحر المحيط 4/ 17.
(4) - الدر المصون 4/ 413.
(5) - ينظر: التفسير الكبير م 4 ج 12/ 424.
(6) - ينظر: أنوار التنزيل 1/ 281.
(7) - ينظر: روح المعاني م 4 ج 7/ 16.
(8) - ينظر: الكشاف 1/ 675.
(9) - ينظر: التبيان 1/ 458.