ثالثًا: ينبغي للعاقل أن يصرف همته في التفكير فيما يعنيه و إذا فعل ذلك يكون قد في أبواب التفكير المحمود الذي ينفعه وتحصل منه العواقب الطيبة الحميدة سواء كان دنيوية أو أخروية وأما إذا أشغل همه وعقله بالتفكير في أمور تضره فإن ذلك يؤذن بخراب بدنياه وبخراب آخرته ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله (أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر في ما يعنيه فاته ما يعنيه و اشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذي خاصتك وحقيقتك التي لا تبتعد أو تقترب من إلهك و معبودك الذي لا سعادة إلا في قربه ورضاه إلا بها وكل الشقا في بعدك عنه وسخطه إليك فأقول إذا كان العبد مشتغلا بما يعنيه فإنه يسلم بإذن الله عز وجل إلى المتاهات و العقائد الفاسدة والخواطر الرديئة والاسترسال مع وساوس الشيطان التي نقول إنها لا تضره إذا كان مجرد خواطر أما إذا استرسل معها و استمر يفكر فيها فإنها قد تعلق في قلبه فتكون بعد ذلك عقائد و هكذا نقول أول الأمر هو خاطرة تحصل في ذهن العبد ثم بعد ذلك تتحول هذه الخاطرة إلى فكرة ثم تتحول هذه الفكرة إلى عزيمة ثم تتحول هذه العزيمة إلى عمل واقعي في الخارج فمن كان شغله في التفكير فيما هو بصدده و فيما يعنيه فإنه يسلم له دينه و تسلم له دنياه و أما إذا دخل في متاهات كما سيأتي في التفكير في أمور لا تعنيه و لم يطالب بالتفكير بها فإن ذلك يؤذن بهلاكه