ستين سنة. و هذا لا شك أن فيه مبالغة و لكن إنما نذكر من هذا ما يوقظ القلوب و ينبه على أهمية هذا المطلوب هذا هو المقصود. قيل لسعيد ابن المسيب ما رأيت أحسن مما يصنع هؤلاء (رجل يحكي له أناسًا ويصفهم و يقول أفضل من هؤلاء في صنيعهم) فقال له سعيد و ما يصنعون قال: يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صافًا رجليه حتى يصلي العصر فقال: ويحك أما و الله ما هي بالعبادة إنما العبادة التفكر في أمر الله و الكف عن محارم الله. طبعًا لا شك أن هؤلاء في عبادة و أنهم في عمل صالح و هو من أجل الأعمال الصالحة لكن سعيد ابن المسيب رحمه الله أراد أن ينبه المتكلم على أمر لعله قد غفل عنه و هو التفكر و التبصر و هو أساس هذا العمل الذي عمله هؤلاء فإنهم لم يصبروا على هذا التعب و الصلاة من بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر .. لم يصبروا على هذا إلا بعد التفكر فإن العبد إذا تفكر حثه ذلك - كما سيأتي - إلى العمل الصالح و الزهد في الدنيا و التشمير في طاعة الله تبارك وتعالى و لهذا يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله الفكر في نعمة الله عز و جل من أفضل العبادات و هذه الآثار بين وجهها ابن القيم رحمه الله بقوله: لأن الفكرة عمل القلب و العبادة عمل الجوارح و القلب أشرف من الجوارح فكان عمله أشرف من عمل الجوارح. هكذا فسر ذلك و علله أن المفاضلة باعتبار المتعلَّق فالأعمال المتعلقة بالعضو الشريف أشرف من غيرها فالصلاة و الصوم و ما إلى ذلك تتعلق بالجوارح و التفكر يتعلق بالقلب فعمل القلب أفضل من عمل الجوارح. فهذا وجه في المفاضلة لكن يمكن أن يقال إنه لا يوصل إلى هذه الأمور من التشمير في طاعة الله عز و جل أصلًا إلا بعد أن يتفكر الإنسان و يتبصر و ينظر و يعمل عقله أما الغافل فإنه لا يعمل شيئًا من ذلك.