الصفحة 4 من 48

آياته المشهودة (و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشًا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد) و ذلك أن الناس ثلاثة: رجل قلبه ميت فهذا الذي لا قلب له .. فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه، و الثاني رجل له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه و لكن قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ليس حاضرا .. فهذا لا تحصل له هذه الذكرى مع استعداده و تهيئه و وجود قلبه، و الثالث رجل حي القلب مستعد تُليت عليه الآيات فأصغى بسمعه و ألقى السمع و أحضر قلبه و لم يشغله بغير فهم ما يسمعه فهو شاهد القلب ملقي السمع .. فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة و المشهودة، فالأول بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر و الثاني بمنزله البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يراه و الثالث بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور و أتبعه بصره و قابله على توسط من البعد و القرب فهذا هو الذي يراه و لهذا قال الله عز و جل (تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب) (لمن ألقى السمع و هو شهيد) فالحاصل يكون التفكر بهذا الاعتبار هو طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من أمر هو حاصل منها .. هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثمّ مراد يكون موردًا للفكر استحال الفكر لأن الفكر بغير متعلَّق متفكر فيه محال و تلك المواد هي الأمور الحاصلة و لو كان المطلوب بها حاصلًا عنده لم يُتفكر فيه فإذا عُرف هذا فالمتفكر ينتقل من المقدمات و المبادئ التي عنده إلى المطلوب الذي يريده فإذا ظفر به و تحصّل له تذكر به و أبصر موضع الفعل و الترك و ما ينبغي إيثاره و ما ينبغي اجتنابه فالتذكر إذن هو مقصود التفكر و ثمرته فإذا تذكر عاد بتذكره على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلًا عنده فهو لا يزال يكرر بتفكره على تذكره و بتذكره على تفكره مادام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت