الوجه الثاني أن التذكر في الواقع هو ثمرة التفكر و هو نتيجته فالتذكر أعلى من التفكر لأن التفكر هو في الواقع طلبٌ للتذكر فالتفكر يكون بتحريك العقل و إجالته في الأمور من أجل أن يحصل الإنسان التذكر فالأمور التي تحصل للإنسان بالتفكر و هي التذكر تكون حاصلة عنده لكن إذا أجال عقله فيها فإنه يسترجعها و يستذكرها إن كان قد نسيها فهو كالذي يفتش عن شيء ثم يظفر به فالمتفكر هو الذي يفتش و هذا الظفر هو التذكر الذي حصل للإنسان فالذكر يقابله الغفلة و النسيان و حقيقته (حقيقة التذكر) هو حضور صورة المذكور العلمية في القلب و لهذا يقال له تذكر على بناء التفَعُّل (على وزن التفَعُّل) لأنه يحصل بعد مهلة و تدرج كما تقول التبصر و التعلم و التفهم فإنه يحصل شيئًا بعد شيء. إذن يكون التذكر من التفكر بمنزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عنه و لهذا كانت آيات الله المتلوة و المشهودة ذكرا،كما قال الله عز و جل في المتلوة (و لقد آتينا موسى الهدى و أورثنا بني إسرائيل الكتاب هدىً و ذكرًا لأولي الألباب) و قال عن القرآن (و إنه لتذكرة للمتقين) و أما الآيات المشهودة فقال عنها (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها و زيناها و ما لها من فروج و الأرض مددناها و ألقينا فيها رواسي و أنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب) فالتبصر هو آلة البصر و التذكرة هي آلة الذكر و قد قرن الله عز وجل بينها و جعلهما لأهل الإنابة لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات و العبر فاستدل بها على ما هي آيات له فزال عنه الإعراض و الغفلة بالإنابة و يزول عنه العمى بالتبصرة و تزول عنه الغفلة بالتذكرة لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها فترتب المنازل الثلاثة بهذه الطريقة يكون على أحسن وجه ثم إن كلًا منها كما يقول ابن القيم - رحمه الله - يمد صاحبه و يقويه و يثمره و الله عز وجل يقول في